فجأةً، أصبحت قطر «قطباً» رياضيّاً. أصبحت تحتضن أحداثاً عالمية، لم تحتضنها سابقاً إلا الدول العظمى. يسير القطريّون على «حكمة» رئيس اللجنة الأولمبية القطرية، الشيخ سعود بن عبد الرحمن: «الرياضة قادرة على أن تفعل أكثر من السياسة». واليوم، لا أحد يستغرب وجود الإمارة الصغيرة في أي تجمع رياضي عالمي، إضافة إلى «الدور القطري» في القرارات المهمة.


وخلال العقدين الأخيرين استضافت قطر بطولات عدة، من دورات التنس في 1993، إلى دورة الألعاب الآسيوية في 2006، وصولاً إلى استعدادها لاستضافة كأس العالم لكرة اليد عام 2015. وطبعاً، هناك «الحلم الأكبر» بالانتظار: كأس العالم لكرة القدم 2022. كل هذا في قطر الصغيرة، لا في بريطانيا ولا في الصين. ومنذ أيام قليلة، أعلن نادي شالكه الألماني تنظيم حفل تكريم نجمه السابق الإسباني راوول غونزالس الذي لعب معه لعامين فقط، في 27 تموز المقبل، بإقامة مباراة ودية مع فريقه الحالي السد القطري على ملعب «فيلتنس أرينا» في احتفال سيحمل شعار «شكراً راوول». قد يكون هذا «كرماً» قطريّاً، لكن الواقع أن أحداً لم يسمع بنادي السد القطري في أوروبا، إلا أن الجميع يعرف «أسطورة» إسبانيا وناديه الملكي ريال مدريد. تخلى ريال مدريد عن «أسطورته»، فجاء القطريّون كعادتهم. لم تستقطب قطر راوول، بل استقطبت سمعة ريال مدريد. في الأساس، رافق تعاقد راوول مع فريق العاصمة القطريّة حملة إعلامية ضخمة، أتقنتها «الذراع اليمنى» للإمارة: قناة الجزيرة.
يحب القطريّون أن يكونوا محط أنظار العالم؛ إذ لا تكتفي قطر بالتعاقدات مع اللاعبين الكبار، بل إنها تستضيف مباريات منتخبات كبرى على ملاعبها الجديدة التي تقدّم صورة أولية عن الملاعب التي ستشيّد لتنظيم مونديال 2022. مباراة بين قطبي الكرة اللاتينية: البرازيل والأرجنتين، مثلاً، وكذلك، بين منتخبي إسبانيا والأوروغواي. وبغض النظر عن الفائز في أيٍّ من هذه المباريات، فالمكاسب الكبيرة التي ستعود بها، والعائد الإعلامي اللامحدود، الذي يتجدد مع كل نشاط عالمي تستضيفه الدوحة سيحول الملعب إلى خشبة مسرح يعرض عملاً فنياً تُسلّط عليه الأضواء من كل بلدان العالم. هكذا تستقطب الدوحة أنظار العالم. مستضيفة «المونديال» في 2022 ليست صحراء، كما هو شائع، إنها قطر، التي بإمكانها شراء كل شيء.
الورشة قديمة. وما إن فازت قطر بتنظيم كأس العالم حتى انطلقت الأشغال. تسعة ملاعب جديدة «مبرّدة»، سيشرف على تشييدها أشهر المهندسين في العالم، وستجمع كل المرافق التي يحتاجها مشجعو كرة القدم الذين سيتوافدون إلى البلاد من كل أنحاء العالم. الأجدد في هذه الملاعب أنها قابلة للتفكيك بعد البطولة، وقد يُتبرَّع بها لبلدان أخرى. «الكرم القطري» مجدداً. ذلك لأن القطريين لن يكونوا قادرين على سد الفراغ المخيف الذي سيحلّ في الملاعب بغياب الجماهير. ومن أين يأتون بالجماهير إذا كان جميع السكان أقل من مليونين، ربعهم سكان أصليون. لقد ضاقت الأرض بما وسعت من تنوع الاستثمارات القطرية، لكن «لهفة» الإمارة على الرياضة لافتة. فبعيداً عن السياسة، لا تجد مسألة واحدة يجتمع عليها الناس ويلتفون حولها كالمستديرة. وفي هذا الإطار، يرى الكاتب الكيني جون موازيمبا أن كرة القدم تقدر على ما لا يقدر عليه أكبر سياسي محنك في العالم، وهو حشد الآلاف لمتابعتها في شغف وعدم تركها إلى حين تتوقف وتعلن نتيجة المباراة. لا أحد يعلم إن قرأ القطريّون موازيمبا، لكنهم بلا شك استفادوا من قدراتهم الماليّة لشراء الأنديّة والملاعب واللاعبين وسمعتهم وكل شيء يمكن شراؤه. راوول صيد سهل لأنه في خريف عمره الرياضي، حاله كحال البرازيلي نيني، والمغربي حسين خرجة. لا ضرائب في قطر، كما هي الحال في أوروبا، وهؤلاء المحترفون لا تهمّهم سمعتهم الرياضيّة. ولا لوم على اللاعبين، ما دام العديد من نجوم العالم الحاليين والسابقين دعموا «ملف» قطر لاستضافة المونديال، أمثال زين الدين زيدان قائد منتخب فرنسا السابق، وجوسيب غوارديولا مدرب برشلونة السابق الغني عن التعريف. فضلاً عن العلاقة «العجيبة» بين القطريين والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي لا يفوّت مباراة لفريق باريس سان جيرمان، المملوك طبعاً، من القطريين!
إلى ذلك، أنشأت قطر أكاديمية لتكوين الرياضيين الشبان أطلق عليها اسم «أسباير». مشروع عملاق تكلفته مليار دولار، ويمتد على مساحة 290.000 متر مربع من الهياكل الأساسية. دُشّن بحضور نجمي كرة القدم، البرازيلي بيليه والأرجنتيني دييغو مارادونا. والمتابع في كرة القدم يدرك مدى صعوبة الجمع بين النجمين لما بينهما من حساسيّة، لكنها... قطر!
ولا يتوقف الأمر هنا. فقد انتدبت قطر للمجمّع المذكور الاختصاصي في كرة القدم، جوزف كولوما، مكتشف أفضل لاعب في العالم الأرجنتيني ليونيل ميسي، وذلك بهدف اكتشاف المواهب الصغيرة «الأجنبيّة» والتعاقد معها، وتجنيسها بأي ثمن.
وفي انتظار تكوين رياضيين قطريين قادرين على رفع اسم قطر في المحافل الدولية بجهود رياضية بحتة، يواصل المسؤولون القطريون اقتطاع الشيكات لاستقدام أفضل المدربين، وشراء أهم العلامات الرياضية في أوروبا؛ إذ اشترت زوجة أمير قطر الشيخة موزة بنت ناصر المسند رئيسة مؤسسة «قطر فاوندايشن»، حق وضع شعار «المؤسسة القطرية» حتى عام 2016 على قميص برشلونة، أحد أهم أندية أوروبا، مقابل مبلغ 166 مليون يورو، ليتحوّل شعار مؤسسة «اليونيسف» إلى منطقة الظهر على قميص الفريق الكاتالوني. في العالم هناك من لا يعرف قطر، لكن ليس هناك من يعرف برشلونة. تعتبر صفقة رعاية القمصان هذه من الأغلى في تاريخ كرة القدم. وتواصل الاستثمار القطري بامتلاك ناديي ملقة الإسباني وباريس سان جيرمان الفرنسي. لكن الرغبات القطريّة لا تمرّ مرور الكرام؛ ففي بلدانٍ أوروبية عدة، هناك استياء كبير من القطريين؛ إذ لا يروق كثيرين «الجنون» القطري. لكن «البيزنس» هو عرض وطلب، بيع وشراء. وكرة القدم هي جزء من عالم الأعمال. لم تبدأ قطر من الداخل، ولا تريد أن تخرج مواهب أهلها وصقلها. إنها تتمدّد أفقياً وعمودياً خارج حدودها، إنها «تشتري» كرة القدم.




على الهامش

لقي تكريم الإسباني راوول غونزاليس من ناديه السابق شالكه والحالي السد انتقاداً من بعض وسائل الاعلام الألمانية.
وتساءل الإعلام عمّا قام به راوول مع شالكه؛ إذ إنه لم يحقق مع النادي الألماني في موسمين سوى لقب كأس المانيا.
وذكرت تقارير أن على شالكه تكريم «الأسطورة» الألمانية كلاوس فيشر الذي كان أحد أهم لاعبي ألمانيا والنادي على مر التاريخ بعد تسجيله 182 هدفاً، وهو الأمر الذي لم يفعله أي مهاجم لعب لهذا النادي وحقق معه لقب كأس المانيا عام 1972، ووضعه في المركز الثاني في «البوندسليغا» في السنة عينها، حيث كان الدوري يعجّ بالنجوم الكبار، وكانت هناك أندية عملاقة مثل بايرن ميونخ الذي قاده «القيصر» فرانتس بكنباور وغيرد مولر وسيب ماير.
وكان فيشر قد أعرب سابقاً عن رغبته في بقاء راوول ضمن صفوف شالكه، قائلاً انه «سيكون من العار على اللاعب أن يرحل من شالكه ليلعب في دوري نجوم قطر»، واوضح قائلاً: «لا يمكنني التحدث عن راوول فالجميع يعرفه، فهو لاعب يعطي كل ما لديه من إمكانات داخل الملعب ولهذا يحبه الجميع داخل شالكه سواء اللاعبون أو الجهاز الفني أو
الجماهير».