خماسية إيرانية في مرمى المنتخب اللبناني ضمن تصفيات كأس آسيا كانت كفيلة لإطلاق نقاش موسّع، إن كان داخل الاتحاد أو خارجه، وهو أمر طبيعي بعد الإنجازات التي حققها المنتخب والتي سيكون الشغل الشاغل الحفاظ عليها والاستفادة منها للتأهل الى نهائيات كأس آسيا. ويدور النقاش حول الخطوات التي يمكن اتخاذها وهل تكون على مرحلتين، الأولى انتقالية والثانية نهائية؟ أو إجراء تغييرات داخل المنتخب قبل الحديث عن تغيير في الجهاز الفني وتحديداً المدير الفني ثيو بوكير.


لكن هناك مجموعة أمور قد يكون من المفيد الحديث عنها قبل اتخاذ أي إجراء.
الخيار الأول المطروح دون أن يكون محسوماً هو إجراء تغيير على صعيد المدرب بوكير والبحث عن مدرب قادر على تحمّل المسؤولية والصعود بلبنان الى كأس آسيا للمرة الأولى عبر التأهّل وليس الاستضافة. لكن مدرباً في هذا الحجم يحتاج الى العمل بهدوء وتروّ لجوجلة الخيارات المتاحة قبل اختيار المدرب الجديد للمنتخب اللبناني. وهناك عدد من المدربين القادرين على تحمّل هذه المسؤولية في المنطقة العربية وتحديداً من الدول المجاورة كسوريا والعراق ومصر. فأسماء كمحمد قويض ونزار محروس وعدنان حمد وحسن شحاتة ومحسن صالح قد تصلح لقيادة المنتخب اللبناني نحو نهائيات كأس آسيا. لكن المفاوضات قد تحتاج الى وقت، في حين أن عدة استحقاقات داهمة تنتظر المنتخب اللبناني، ما قد يشكل عامل رفض للمدربين الكبار الذين قد يرفضون استلام المهمة خلال هذا الوقت ويفضلون تمرير تلك الاستحقاقات. وبالتالي قد يكون الخيار الآخر الاستعانة بالمدرب المساعد الهولندي بيتر ميندرتسما كي يستكمل المهمة في المرحلة لما بعد مباراة أوزبكستان في 26 الشهر المقبل.
لكن هناك نقطتين يجب التوقف عندهما في موضوع المدرب بيتر. أولاً، هل إن بيتر قادر على لعب دور المدير الفني، وهل يتمتع بروح القيادة التي يملكها بوكير؟
المعلومات تشير الى أن بيتر هو مدرب مساعد ممتاز ويتمتع بميزة تحليل المباريات، لكنه لا يتمتع بالشخصية التي تسمح له بإدارة المنتخب، وخصوصاً أن بوكير هو المظلة التي يعمل تحتها الجميع في المنتخب إدارياً وفنياً، ما يعني أن المدرب البديل يجب أن يتمتع بصفات القيادة والقدرة على إدارة الأمور.
النقطة الثانية هي هل إن بيتر يوافق على التسلّم بدلاً من بوكير، إذ إن معلومات من أطراف متعددة تؤكّد أنه لا يوافق على هذا الطرح، وقد يكون من الأفضل سؤاله قبل إقالة بوكير وتعيين بيتر الذي جاء الى المنتخب بطلب من بوكير وهو يعمل معه.
وعليه، فإن خيار التغيير مطلوب ووارد، ولكن يجب أن يحصل بعد أن يتم تأمين البديل، سواء كان مؤقتاً أو نهائياً، أما مسألة تعيين مدرب وطني لهذه المرحلة فهناك رفض شبه جماعي لهذه الفكرة نظراً الى حساسية المرحلة المقبلة. فلقاء تايلاند في 22 المقبل هو حاسم بالنسبة الى مشوار لبنان في تصفيات كأس آسيا وقادر على إعادة لبنان الى المنافسات أو إبعاده عنها. وبالتالي يحتاج منتخب لبنان الى عدم حدوث تغيير جذري في طريقة إدارته الفنية خلال فترة أربعين يوماً قبل المباراة مع تايلاند. وتزدحم روزنامة منتخب لبنان خلال الفترة المقبلة، فهو سيغادر الى غانا في 9 آذار تلبية لدعوة الجالية هناك واللعب مع منتخب غانا في 11 منه، قبل أن يعود ويسافر الى البحرين في 16 منه ولقاء منتخبها ودياً في 18 منه، على أن يعود في 20 آذار ليواجه تايلاند في 22 والسفر الى أوبكستان في 23 ومواجهة منتخبها في 26 آذار ضمن تصفيات كأس العالم. وعليه، فإن التغيير حالياً لديه محاذيره والخيارات ضيقة أمام اللجنة العليا اليوم.
ننتقل الى بوكير والجو العام الحاصل حالياً نحو تغييره بسبب مجموعة خيارات خاطئة وقرارات غير صحيحة فنياً، إن كان في لقاء إيران أو على صعيد استبعاده أو استدعائه للاعبين معينين.
قد يكون من المجحف تحميل المسؤولية كاملة لبوكير، فهناك جزء منها يتحمله بعض اللاعبين، إذ إن الجميع طالبوا بوكير بإشراك هيثم فاعور وأحمد زريق وعلي السعدي في اللقاء مع إيران، لكن قلّةً تعلم أن فاعور لم يعد يرغب في لعب كرة القدم، وهو أبلغ المدرب المساعد بيتر بذلك، كما أن فاعور غاب عن التمرين ليومين في قطر بداعي الإصابة، وبعد إجراء صورة صوتية تبيّن عبر تقرير طبيب إنكليزي في «أسبيتار»، أنه غير مصاب وشارك عصراً في التمرين، كما أن زريق غاب لتمرينة واحدة بسبب الإصابة، ثم عاد سريعاً.
وفي حادثة أخرى، غادر فاعور وزريق وعامر خان الفندق يوم السفر الى إيران قبل الغداء بـ 45 دقيقة لشراء حذاء، بشرط أن يعود وقت الغداء عند الساعة 13.30، لكنهم غابوا حتى الساعة الثالثة بحجة أنهم يبحثون عن حذاء. فهل هكذا يكون الالتزام بمنتخب بلغت عوائد لاعبيه المادية ما يقارب الخمسين ألف دولار لكل لاعب خلال سنة ونصف؟ ففي السابق كان المسؤولون يعملون كمراقبين على مدار الـ 24 ساعة لإلزام اللاعبين بالقوانين، وخصوصاً في ظل غياب الاهتمام بالمنتخب، لكن منتخب لبنان حالياً نصف لاعبيه محترفون في الخارج والباقون تصلهم حقوقهم المالية كاملة، وهناك اهتمام كامل باللاعبين، فهل لا يزالون بحاجة الى «نواطير» كي يلتزموا بالتعليمات؟
أضف الى ذلك طريقة تعاطي فاعور في المعسكر والتمرين وعدم تعاونه، فكيف سينظر بوكير الى لاعبه، وهل هو قادر على الاعتماد عليه؟ علماً بأن بوكير استبعد فاعور وزريق، ثم عاد وضمّهما بعد ضغط اتحادي، ما يطرح سؤالاً على المسؤولين في الاتحاد: هل هكذا يكون التعاطي مع المنتخب؟
ولا شك أن هذه العودة كان لها آثار سلبية على العلاقة بين المدرب واللاعبين. ففي لقاء إيران، حين طلب بوكير دخول زريق ولدى إعطائه التعلميات، طلب بوكير من زريق مراقبة اللاعب رقم 21 أشكان ديجاغه الذي كان مصدر الخطر، فما كان من زريق إلا أن أجابه أعلم أن عمري 21 عاماً وسأركض جيداً بطريقة حادة، ما يشير الى أن بوكير في وادٍ وزريق في واد ولولا توضيح الأمر لزريق لكان الأخير بقي يعتقد بأن المدرب ينتقده.
أما بالنسبة الى اللاعب علي السعدي والذي طالب البعض بإشراكه في وسط الملعب، فهذا يعيدنا الى لقاء الإمارات في ختام الدور الثالث حين لعب السعدي في هذا المركز ولم يكن موفقاً، الى درجة أن عضو الاتحاد موسى مكي سأل المدرب بوكير عن هذا القرار. لكن المفاجئ أن السعدي لا يريد أن يكون مع المنتخب، وهو حاول اختلاق حادثة على دراجة نارية قبل السفر الى معسكر قطر وحاول الحصول على تقرير طبي يفيد بأنه مصاب ولا يقدر على السفر. ولولا تدخّل مسؤول كروي كبير وتهديده للسعدي بالإيقاف في حال عدم التعاون مع المنتخب لكان السعدي بقي في بيروت.
أما بالنسبة الى غدار، والذي رضخ المدرب بوكير وأعاده الى المنتخب نتيجة مطالبة الإعلام وبعض أعضاء الاتحاد به، فإن أخباره في قطر وإيران لا توحي بأنه عنصر إيجابي في المنتخب. فهو أصيب فجأة بـ«برقة» في الظهر ليس خلال التدريب بل في الباص، وبقي دون تمرين ليومين مع اعتراض على طريقة معالجته من قبل طبيب المنتخب د. جوني ابراهيم، ولدى فحصه من قبل الطبيب الإنكليزي عينه في «أسبيتار»، رفض الطبيب حتى إجراء صورة له، مؤكداً أنه لاعب لا يعاني من أي إصابة ويستطيع اللعب. وكل هذا موجود في تقارير مفصلة لدى الاتحاد اللبناني لكرة القدم. ويبدو غدار غريباً في طريقة تعاطيه وتعاليه على زملائه، ما يجعله لاعباً غير محبوب من زملائه. فخلال الدخول الى مباراة إيران للتحمية، يشير له زميله محمد حيدر بالدخول قبله الى الملعب، وكانا آخر الداخلين، فيجيبه غدار «ما زلت صغيراً على الدخول الى الملعب كآخر لاعب، أدخل قبلي وأنا سأكون آخر لاعب»، ما أثار استياء حيدر من طريقة تعاطي غدار معه، بدلاً من تشجيعه ورفع معنوياته.
ووجهت انتقادات كثيرة للمسؤولين عن المنتخب لعدم تأمين حذاء لغدار يناسب أرضية الملعب بعد انزلاق المهاجم مراراً، ليتبيّن أن غدار أصرّ على ارتداء الحذاء البرتقالي، في حين أنه كان يملك حذاء آخر ارتداه في الشوط الثاني، لكن بوكير كان قد قرر استبداله بمحمد شمص، علماً بأن بوكير حذّر اللاعبين من أرضية الملعب الزلقة قبل يوم من المباراة، مطالباً إياهم باختيار الحذاء المناسب.
لكن النقطة الأهم هي موضوع التلاعب وضرورة اتخاذ العقوبات سريعاً. فالمنتخب يحتاج الى «التنظيف» قبل التغيير. فهذه «الشوكة» التي تنخر في خاصرة المنتخب، لها دور سلبي كبير في استنفاد طاقاته وحيويته الجماعية. فمن دون تدوير للزوايا، هذا الموضوع يؤرق بال المنتخب ويخلق أجواء سلبية بين اللاعبين الذين ينظرون الى بعضهم البعض كمتورط وشريف ضاع تعبه بسبب خيانة زميل له. وعليه، تبدو العلاقة بين اللاعبين غير مريحة، ما يفرض تحركاً سريعاً وإبعاد كل متورط، مهما كانت النتائج. وقد يكون هذا القرار مطلوباً قبل السفر الى غانا لبدء مرحلة جديدة، حيث يؤكّد أكثر من مصدر داخل المنتخب أن إبعاد المتورطين سيكون له أثر إيجابي كبير وسينعكس على التمارين وأداء اللاعبين.