هو الفريق نفسه الذي بدأ الموسم الجديد بقوة عندما أحرز الكأس السوبر الألمانية بفوزٍ مستحق على غريمه التقليدي بايرن ميونيخ. هو الفريق نفسه الذي عذّب البايرن أيضاً على أرضه في الأمس القريب، وهو الفريق نفسه الذي حصد أربعة انتصارات متتالية في مسابقة دوري أبطال أوروبا قبل سقوطه الأول أخيراً أمام أرسنال الإنكليزي، بعدما تصدّر مجموعته وعبر إلى دور الـ 16.


دورتموند «مفصوم». هذا أقل ما يمكن قوله عن الفريق الأصفر والأسود الذي سحر العالم قبل موسمين عندما بلغ المباراة النهائية للمسابقة الأوروبية الأم، حيث قدّم كرة جميلة وثبّت أقدامه بين كبار أندية القارة العجوز. لكن ما يحصل اليوم مع دورتموند لا تفسير له، رغم كل التحليلات والنظريات التي تعيد الأسباب إلى خيارات فنية أو مشاكل مرتبطة باللاعبين.
الحقيقة أن دورتموند يواجه حظاً عاثراً بالدرجة الأولى، ويمر بمرحلةٍ يمكن اعتبارها انتقالية بمكانٍ ما بعدما خسر الكثير، إما بسبب الإصابات أو الانتقالات التي حملت أبرز نجومه تباعاً إلى أندية أخرى. كذلك، لا يمكن استبعاد مسألة «انقطاع نفس» فريق المدرب يورغن كلوب بعدما بدا في المواسم الأخيرة كأنه يركض «سبرينت» لا ينتهي، وبالتالي وصل إلى مرحلة الإرهاق حيث حان الوقت ليرتاح قليلاً.

«انقطع» نفس دورتموند الذي بدا
كأنه يركض «سبرينت»
لا ينتهي



لكن لا يمكن دورتموند أن يرتاح كثيراً لأن ذهاب «البوندسليغا» شارف النهاية، وبالتالي المركز الأخير ليس مريحاً على الإطلاق، وخصوصاً أن هذا الفريق أصبح بحاجةٍ إلى أعجوبة من أجل احتلال مقعدٍ مؤهلٍ إلى دوري الأبطال في الموسم المقبل. وقد يعتقد البعض أن هذا الأمر سيمر مرور الكرام، لكن الحقيقة المطلقة أن هذا الأمر سيؤثر مادياً وفنياً بدورتموند بنحو سريع. والشق الفني هو الأهم في الوقت الحالي لفريقٍ بحاجةٍ إلى ركوب موجة نهضوية، لكن عدم اقتناصه مقعداً أوروبياً، سيدفع المزيد من نجومه إلى الرحيل باتجاه فرقٍ أخرى ترضي طموحاتهم.
ومن هذا المنطلق بدأت أكبر الأندية الأوروبية تصوّر نفسها وكأنها مركب نجاة للمدافع الدولي ماتس هاملس وللاعب الوسط إيلكاي غوندوغان، وللمهاجم ماركو رويس، وغيرهم من الأسماء التي يبدو وقعها الأقوى في كل مرة يلعب فيها دورتموند في ألمانيا أو أوروبا.
الآن المسؤولية الملقاة على عاتق كلوب كبيرة جداً، وهو الذي لا يزال حتى الآن يتعامل مع الوضع ببرودة كبيرة. وهذه الخطوة صحيحة إلى أبعد الحدود، لأن كلوب يعلم في قرارة نفسه بأن الإدارة لن تفكر في إقالته، فهو مهندس إنجازات العصر الحديث لدورتموند، وهو الذي كان وراء تنمية قدرات لاعبين مثل رويس وغوتزه. الأول وصل لاعباً موهوباً وتحوّل نجماً كبيراً، والثاني رُفّع من فريق الشبان لإثبات نفسه، فأصبح «معجزة». وكلوب أيضاً حوّل البولوني روبرت ليفاندوفسكي إلى مهاجمٍ كبير بعدما وصل الأخير إلى ألمانيا لاعباً مجهولاً.
فضل كلوب على دورتموند كبير، وهو أمر لا يمكن أحداً التنكّر له، وخصوصاً أن هذا الرجل سبق أن أثبت نفسه مرات عدة في مواجهة الفريق الأفضل في بلاد أبطال العالم، أي بايرن ميونيخ ومدربه الإسباني جوسيب غوارديولا، خاطفاً ثلاثة انتصارات من ستة نزالات في مواجهة «بيب».
ببساطة، قد تسأل أيّاً كان عن سبب لمعان دورتموند في المواسم الأخيرة، وسيأتيك الجواب: هو كلوب.
ويضاف إلى رصيد هذا المدرب تمسّكه بالبقاء في ناديه، رغم العروض التي وصلته، ثم رغم الصعاب التي عاشها في الفترة الأخيرة. هو فعلاً صاحب شخصية قوية وجريئة وثورية، وهو فعلاً صاحب قدرات تكتيكية واستراتيجية مهمة. كذلك هو قدّم اسمه كأحد أهم المدربين في أوروبا، وبالتالي سيصعب على دورتموند إمرار ورقة الإقالة إليه.
بكل بساطة، هو ودورتموند يعيشان اليوم حقبة عرفتها فرق كبيرة أخرى في «القارة العجوز»، وعادت لتقف على أقدامها بفضل مدربيها الأوفياء لها.
أتذكرون ما مرّ به مانشستر يونايتد مع «السير» الاسكوتلندي اليكس فيرغيسون، أو أرسنال مع الفرنسي أرسين فينغر؟