بعد إنجازَيه الكبيرين في الموسم الماضي بإحرازه لقب الدوري الإسباني لكرة القدم بعد انتظار دام طويلاً والوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، حيث كان قريباً جداً من التتويج باللقب لولا رأسية سيرجيو راموس القاتلة التي أدركت التعادل، كانت العين، دون شك، كبيرة على أتلتيكو مدريد هذا الموسم، وكان «روخيبلانكوس» محل اختبار للتأكد من أن ما عاشه فريق المدرب الأرجنتيني المتألق دييغو سيميوني في الموسم السالف لم يكن مجرد «فلتة شوط» أو موسماً استثنائياً عابراً، وما زاد من «الفضول» في معرفة الإجابة عن هذا التساؤل هو أن الفريق خسر أركاناً مهمة في تشكيلته، بدءاً من الحارس البلجيكي الموهوب ثيبو كورتوا، إلى الدفاع مع رحيل فيليبي لويس، وصولاً إلى الهجوم مع خسارة جهود دافيد فيا، وبالتحديد الهداف دييغو كوستا.


البداية القوية للموسم بالتتويج بلقب كأس السوبر الإسباني على حساب الجار الغريم ريال مدريد بالتعادل معه 1-1 ذهاباً والفوز إياباً 1-0، لم يتوقف عندها السائلون والمستفسرون عما ستؤول إليه حال «روخيبلانكوس» في هذا الموسم، ذلك لاعتبارات ليس أقلها أن هذا الفوز أتى بعد العطلة الصيفية وكأس العالم وعدم اكتمال جهوزية اللاعبين، بحيث اعتبر البعض أنه لا يمكن الحُكم على أتلتيكو من كأس السوبر فحسب.
... الآن نحن في أواخر شهر تشرين الثاني بفترة زمنية تقارب ثلاثة أشهر فاصلة عن كأس السوبر الإسباني، وبالتالي فإن الحكم على أتلتيكو واستخلاص النتائج حول صورته الحالية باتا ممكنين. أين أتلتيكو الآن؟ فريق سيميوني يحتل المركز الثالث في «الليغا» خلف ريال مدريد المتصدر بأربع نقاط، وبرشلونة الثاني بنقطتين؛ وبين نتائجه فوز على الغريم الملكي في معقله «سانتياغو برنابيو» 2-1. فريق سيميوني يتصدر ترتيب مجموعته «غير السهلة» في دوري أبطال أوروبا الى جانب يوفنتوس الإيطالي وأولمبياكوس اليوناني وقد ضمن تأهله الى دور الـ 16 أول من أمس بعد اكتساحه الفريق الأخير برباعية نظيفة. ببساطة، ووفقاً لهذه النتائج، يمكن القول إن أتلتيكو مدريد لا يزال في القمة، ولا يزال قوياً ومخيفاً.

يُحسب لسيميوني التعاقدات الصائبة التي أبرمها في الصيف


في حقيقة الأمر، أثبت اتلتيكو هذا الموسم أنه فريق كبير وأن وصوله إلى صفوة الفرق الأوروبية ليس مسألة آنية أو مفاجئة، بل هي ثمار مشروع وتخطيط واستثمار ناجح للمواهب. إذ لا يبدو عابراً على الإطلاق أن يحافظ «روخيبلانكوس» على ثباته واستقراره رغم «نكسة» نهائي دوري الأبطال، والأهم رحيل كورتوا ولويس وفيا وكوستا. ما يمكن قوله هنا أن استمرار أتلتيكو على نسق الموسم الماضي ذاته هو تأكيد على عبقرية مدرب الفريق سيموني بالدرجة الأولى والعمل الكبير الذي وضع أُسسه ومداميكه وسهر على ارتقائه.
ولعل أول دليل على هذا الأمر هو التعاقدات التي أبرمها «إل تشولو» في الصيف والتي أثبتت صوابيتها من رجل يبدو عالماً بحاجات فريقه وصفات اللاعبين الذين بالإمكان أن يصيبوا النجاح في تشكيلته، فضم الحارس ميغل أنخل مويا والبرازيلي غوييرمي سيكويرا والإيطالي أليسيو تشيرتشي والمكسيكي راوول خيمينيز، والأهم الفرنسي أنطوان غريزمان والكرواتي ماريو ماندزوكيتش الذي سجل في المباراة الأخيرة ثلاثية رائعة.
ويُحسب لسيميوني أنه تمكن من إدخال هؤلاء اللاعبين في أجواء الفريق ومنهجيته في خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، فبدا غريزمان وماندوزكيتش كأنهما يرتديان قميص «روخيبلانكوس» منذ سنوات، وهذه النقطة هي إثبات لكفاءة هذا المدرب وقدراته العالية وفلسفته القائمة على الجماعية في أسلوب اللعب وروحية الفوز أكثر من الأسماء والمهارات الفردية، وتأكيد بأن مسألة ارتباط «إل تشولو» بأتلتيكو تتخطى العلاقة بين مدرب ولاعبين، حيث يمكن تشبيهها بعلاقة متينة بين أب وأبنائه. أب حريص بكل ما أوتي من جهد على تلقين أبنائه أسباب الوصول الدائم الى النجاح.
يقال دائماً إن الحفاظ على النجاح أصعب من الوصول إليه. لكن يبدو أن هذه المقولة لم تمر على ملعب «فيسنتي كالديرون»، ولم يسمع بها سيميوني أبداً.