بالتأكيد فإن خسارة المنتخب الألماني، بطل العالم في البرازيل هذا الصيف، أمام نظيره البولوني 0-2 في تصفيات كأس أوروبا 2016 التي تستضيف نهائياتها فرنسا، كانت العنوان الأبرز في الجولة الثانية. فهذه الخسارة هي الاولى رسمياً لـ «المانشافت» بعد تتويجه بطلاً للعالم، والاولى في تاريخ مواجهاته مع الجار البولوني، إذ فاز قبلاً في 12 مباراة وتعادلا في ست، والأولى في أي تصفيات عموماً منذ الخسارة أمام تشيكيا 0-3 في تصفيات كأس أوروبا 2008.


القول بأن الخسارة الألمانية جاءت بسبب استهتار اللاعبين ونومهم «على حرير» اللقب العالمي، وبأن التشكيلة افتقدت جهود النجوم باستيان شفاينشتايغر ومسعود اوزيل وماركو رويس وسامي خضيرة بسبب الإصابة، لا يبرر مطلقاً هذه الهزيمة.
بالنسبة إلى النقطة الاولى، فإن من يعرف الألمان يدرك جيداً انهم يأخذون كل المباريات وكل المناسبات على محمل الجد بنحو لا يضاهيهم فيه أحد، وهذا سرّ نجاحهم في عالم الرياضة وخارجها. اما بالنسبة إلى النقطة الثانية، فصحيح أن لهؤلاء النجوم ثقلهم لكن مناسبات عديدة بما فيها تحديداً المونديال الأخير شهدت عدم اجتماعهم معاً، ومن ثم فإن مانويل نوير وماتس هاميلس وجيروم بواتنغ وطوني كروس وتوماس مولر وأندريه شورلي وماريو غوتزه كانوا حاضرين أمام بولونيا. إذاً، أين الخلل الحقيقي؟
بالنظر الى أن ألمانيا لم تقدم مباراة سيئة تماماً السبت، وكانت الأفضل من حيث الأرقام، بما فيها تحديداً الفرص في أرض مضيفتها، وبالنظر إلى الخسارة الأولى الودية عقب المونديال مباشرة أمام الأرجنتين برباعية على الأراضي الألمانية، ومن بعدها المعاناة الكبيرة للفوز على اسكوتلندا في ألمانيا أيضاً 2-1 في انطلاق التصفيات، فإن ما بات جلياً ولا غبار عليه هو أن الحياة في ألمانيا بوجود ميروسلاف كلوزه وفيليب لام تختلف كثيراً عنها بغيابهما، الذي حصل بعد اعتزالهما اللعب دولياً عقب التتويج العالمي. هذا، بالضبط، ما هو حاصل مع الألمان حالياً.

ليس بالأمر السهل أن تخسر ألمانيا جهود هدافها التاريخي والمونديال وظهيرها الفذَ
فما بات واضحاً بعد المونديال وحتى مباراة السبت، هو الأثر السلبي الكبير الذي خلّفه هذان النجمان الكبيران، الذي أرخى بظلاله الوخيمة على شكل «المانشافت». الحديث هنا عن الدور القيادي والفاعلية الكبيرة لهذين اللاعبين مع بطل العالم 4 مرات. فأن تخسر ألمانيا جهود أفضل هداف في تاريخها وتاريخ كأس العالم، وأحد أفضل الأظهرة في تاريخ كرة القدم، ليس بالأمر السهل والعابر على الاطلاق، بعدما مثّل كلوزه ولام عمادَين أساسيين من أعمدة المنتخب طيلة السنوات العشر الأخيرة وصولاً الى القمة والتتويج المونديالي.
المباريات الثلاث الأخيرة لألمانيا كشفت ضرورة وجود مهاجم صريح وكلاسيكي في عداد «المانشافت». هذا ما اعتاده الأخير تاريخياً، منذ غيرد مولر ورودي فولر فكارل – هاينز ريدله ويورغن كلينسمان وصولاً الى أوليفر بيرهوف وغيرهم.
لا تشكيك هنا، على الإطلاق، في قدرات مولر في مركز الهجوم، لكنّ «يداً واحدة لا تصفق» كما يقال، اذ يحصل أن يكون هذا الأخير بعيداً عن فورمته وفاعليته كما حصل أمام بولونيا، وهنا الحاجة تبدو ماسة لبديل يجيد انهاء الهجمات بنجاح واقتناص الأهداف. كلوزه كان «معلماً» في ذلك. العودة الى خيار ماريو غوميز أمام الأرجنتين، أثبت ضعفه مجدداً، أما ماكس كروزه فبدا بعيداً عن المقارنة بـ «ميرو». وهنا يُسأل يواكيم لوف عن إصراره على «دفن» ورقة شتيفان كيسلينغ الأقرب لأداء دور كلوزه والقادر على أن يكون بديلاً ممتازاً عند تراجع الفاعلية الهجومية.
الا أن تعويض لام يبقى الهاجس الأكبر عند الألمان، نظراً لصعوبة إيجاد لاعب بمواصفاته في مركز الظهير. «القيصر» فرانتس بكنباور كان سباقاً عند اعلان قائد «المانشافت» اعتزاله إلى توقّع هذا الأمر، وهذا ما تأكد في المباريات الثلاث الأولى وما يوضحه استمرار بحث لوف عن البديل الأنسب، الذي بطبيعة الحال لن يصل الى مستوى لام، الذي كان اعتزاله، لا شك، مربكاً. هكذا، كان كيفن غروسكرويتس حاضراً أمام الأرجنتين ودياً، وسيباستيان روديه أمام اسكوتلندا، وأخيراً أنطونيو روديغير أمام بولونيا. صحيح ان الأخير قدم اداء قوياً على الجهة اليمنى، لكن من الناحية الدفاعية فقط، بخلاف ما كان يجيده لام في الشقين الدفاعي والهجومي على اعلى مستوى، علماً أن روديغير يلعب في مركز قلب الدفاع ويتمتع ببنية جسدية قوية (يبلغ طوله 1,90 متر) وهو مطلوب في العديد من الفرق الأوروبية لهذا الدور، أي بتعبير آخر، فإن روديغير مشروع قلب دفاع ذي شأن مستقبلاً.
رحيل لام، كان ضربة لخطي الظهير في ألمانيا، اذ إن تألق الأخير على الميمنة كان يخفي عيوب الميسرة التي كانت دفاعية بحت، أما الآن، فإن الجبهتين غير فاعلتين هجومياً.
على أي الأحوال، فإن التحدي التالي لألمانيا سيكون أمام جمهورية إيرلندا الثلاثاء المقبل. الألمان سيبحثون، بالتأكيد، بكل ما أوتوا من قوة، عن استعادة هيبتهم كأبطال للعالم وتعويض هزيمتهم امام بولونيا، لكن تعويض كلوزه ولام هو الأهم مستقبلاً، وهذا ما سيبقى يشغل رأس لوف طيلة الفترة المقبلة.