اعتقد كثيرون أن المدّ الياباني باتجاه الدوري الألماني سببه تجاري لا أكثر. التجارب السابقة التي حملت معها لاعبين من بلاد «الساموراي» الى الملاعب الأوروبية كان القصد منها واضحاً، التسويق ولا شيء سواه.


صحيحٌ أن العديد من اللاعبين الآسيويين كانوا قد عبروا الى أوروبا في فترةٍ سابقة للعصر الحديث للعبة، ومنهم لاعبون يابانيون، لكن هؤلاء لم يُنظر إليهم على أنهم «سلعة»، بل هذا التوجّه بدا واضحاً عندما جعل جنوى الإيطالي من كازوتشي ميورا أول لاعب ياباني في الـ«سيري أ»، حيث بات الاهتمام الإعلامي في شرق القارة، وتحديداً في اليابان هائلاً. وهذا الأمر جلب معه معلنين ورعاة، ما يعني أموالاً وعائدات إضافية أيضاً من جراء التسويق في سوقٍ واسعة وغنية. وعلى خطى جنوى، سارت أندية عدة بعدها، وكان المثال الأبرز على النجاح التسويقي من خلال اليابانيين ما فعله بيروجيا باستقطابه النجم هيديتوتشي ناكاتا، الذي كان صاحب خامة كروية أيضاً، فاستفاد الفريق الإيطالي على الصعيدين المادي والفني...

يقارب اليابانيون
كرة القدم كما يحبّ الألمان تماماً


الأمثلة كانت كثيرة في فترة لاحقة، لكن ما يحصل اليوم هو مختلف تماماً، على اعتبار أن اللاعبين اليابانيين أصابوا تطوراً رهيباً على المستوى الكروي، ما جعلهم قادرين على التأقلم مع أي نوعٍ من أنواع البطولات الأوروبية الوطنية. ويمكن أخذ الحضور الياباني في الدوري الألماني مثالاًً صارخاً على هذا الأمر، إذ ليس سهلاًً ابداً على أيٍّ كان النجاح في بطولةٍ بدنية وتكتيكية بامتياز، لكن ومع بداية الموسم الجديد بدا الأمر كأنه نزهة بالنسبة الى أولئك «الساموراي»، الذين لا يعرفون معنى الاستسلام، وهو أمر أضحى نعمة لدى مدربيهم الذين يستفيدون حالياً من أقصى إمكاناتهم. وهؤلاء العداؤون والمحاربون والهدافون ظهروا كأنهم رجال آليين على أرض الملعب لشدة الدقة التي يتمتعون بها، ما جعلهم المفاجأة السارة لكثيرٍ من جماهير الأندية التي تستصعب حتى لفظ أسمائهم.
وبالتأكيد، فإن النجم العائد الى «جنة البوندسليغا» شينجي كاغاوا هو المثال على جودة الاستيرادات اليابانية الى الدوري الألماني، إذ سبق أن ساهم بشكلٍ أساسي في فوز بوروسيا دورتموند باللقب المحلي مرتين وبمسابقة الكأس مرة واحدة، قبل أن يقرر الرحيل الى مانشستر يونايتد، حيث عاندته الإصابة في مرحلة أولى، ثم لم يلقَ التقدير المطلوب مقارنة بإمكاناته الكبيرة.
اليوم عاد كاغاوا الى «البوندسليغا»، وبدأ سريعاً يضع بصمته القديمة مع المدرب يورغن كلوب، الذي قامر يوماً بجلب اسمٍ مجهول الى الفريق الأصفر والأسود من فريقٍ في الدرجة الثانية اليابانية هو تشيريزو أوساكا. لكن هذا الصغير أضحى كبيراً بسرعة هائلة، وفتح الباب أمام العديد من أبناء بلده للانتقال الى بلاد أبطال العالم. شتوتغارت كان أول المبادرين عندما ضم غوتوكو ساكاي وشينجي أوكازاكي، والأخير تحوّل الى اسم كبير مع انطلاق الموسم الحالي، إذ بعد انتقاله الى ماينتس كشف عن قدراتٍ هجومية كبيرة ليتصدر ترتيب الهدافين حتى الآن، بالتساوي مع مهاجم هوفنهايم النروجي طارق اليونسي بتسجيل كلٍّ منهما 5 أهداف في 5 مباريات.
وفي موازاة تألق أوكازاكي، يبرز اسم هيروكي ساكاي مع هانوفر، وأتسوتو أوشيدا مع شالكه. وعن أوشيدا، يمكن القول إنه لو لم يحمل الملامح اليابانية لاعتقد الكلّ أنه لاعب أوروبي أو أميركي لاتيني بالنظر الى قدراته الفنية الرفيعة.
واللافت انه في حال تخلي أي نادٍ ألماني عن لاعبٍ ياباني معيّن، فإن نادياً آخر يسارع الى التعاقد معه، وهذا ما حصل حتى مع أصغر الأسماء اليابانية في «البوندسيلغا» أي هيروشي كيوتاكي الذي انتقل من هانوفر الى نورمبرغ، بينما ترك هاجيمي هوسوغاي فريق العاصمة هيرتا برلين لخوض مغامرة أكبر مع باير ليفركوزن العريق، وذهب يويا أوساكو الى كولن بعد تألقه مع ميونيخ 1860 في الدرجة الثانية الموسم الماضي.
إذاً، لا يقتصر الأمر على فرق الدرجة الأولى في ألمانيا، إذ إن سيف «الساموراي» يفعل فعله في الدرجة الثانية بوجود عدة لاعبين حالياً مثل تاكاشي إينوي نجم بوخوم، حيث يريد كثيرون الاستفادة من التزام وانضباط هؤلاء «الرجال الآليين» الذين يقاربون كرة القدم كما يحبها الألمان، إن كان في التمارين أو في المباريات، والدليل أن 12 لاعباً يابانياً موجودون حالياً في دوري الأضواء، ما يجعلهم رابع أكبر «إثنية» في «البوندسليغا» بعد السويسريين والنمسويين والبرازيليين.
عاصفة يابانية تضرب الدوري الألماني، عاصفة ستتحوّل إلى إعصار عندما يجتمع هؤلاء ليلعبوا بألوان منتخب بلادهم على الساحة الآسيوية.