تغيّر مانشستر يونايتد بشكلٍ كبير بعد تعيين رالف رانغنيك على رأس جهازه الفني. هي المسألة التي كان يتطلّع إليها جمهوره الكبير الذي اشتاق الى الانتصارات الكبيرة ومنصات التتويج. وكذا إدارته التي اتخذت خيارات فنية سيئة سابقة بحسب ما ثبت، لكن لا هذه المرة بعدما فاجأت الجميع بعدم الذهاب الى استقدام أحد الأسماء الكبيرة في عالم التدريب أمثال الفرنسي زين الدين زيدان بعدما قيل إنه الأقرب للمهمة، بل عرفت أن الفريق بحاجةٍ الى البناء، ولإتمام المشروع عليك القدوم بمهندسٍ «شاطر».

هذا ما هو عليه رانغنيك أصلاً بعدما كان مهندساً في الكواليس لتطوّر أنديةٍ عدة، وملهماً لمدربين ألمان أصبحوا من الأشهَر والأهم في العالم من خلال ما قدّموه من أفكارٍ خلّاقة وإنجازات رائعة مع الفرق التي أشرفوا عليها في ألمانيا وخارجها.
صحيح أن اليونايتد تعادل مساء الاثنين مع نيوكاسل يونايتد المتقهقر (1-1)، لكنه بقي من دون أيّ خسارة في أربع مبارياتٍ تحت قيادة المدرب الجديد، الذي إذا ما واظب على تقديم فريقٍ ثابت المستوى والأداء، فإن منصبه المؤقت سيصبح دائماً، ويعود العملاق الإنكليزي بطلاً محلياً ولمَ لا أوروبياً؟
سرُّ بقاء «الشياطين الحمر» بسجلٍ نظيف مع رانغنيك يكمن في فلسفة الأخير التي ترتكز بالدرجة الأولى على الضغط العالي، وتحديداً أمام منطقة الخصم لاستعادة الكرة فور خسارتها. هو أسلوبٌ ليس بالسهل على الإطلاق لأنه يحتاج الى لاعبين أقوياء بدنياً وتكتيكياً بحيث تتحرّك المنظومة في حالة الضغط ككتلةٍ واحدة كي لا تخسر نسق مطاردة الكرة.
رانغنيك هو أصلاً الأب الروحي لهذا الأسلوب الذي ألهم مدربين بارزين في «البريميير ليغ» على رأسهم مواطناه يورغن كلوب وتوماس توخيل. لكن «البروفسور» الألماني لم يتوقّف عند هذا الحدّ، إذ يطلب من لاعبيه التصرّف بسرعة والتسديد على المرمى في ظرف عشر ثوانٍ بعد استعادتهم للكرة. وهذا الأسلوب لم يعرفه اليونايتد مع مدربه السابق النروجي أولي غونار سولشاير حيث كان يضغط بشكلٍ غير منظّم وعشوائي، ما يفقده توازنه بسرعةٍ كبيرة ويجعله ضعيفاً في الاستحواذ وهشّاً في الدفاع.
كما لم يظهر الفريق مع رانغنيك بالرسم الاستراتيجي نفسه، إذ إن خطة المدرب الجديد التي تبدو على الورق 4-2-3-1، هي فعلياً 4-2-2-2.
رانغنيك اختار هذا التوزيع غير الاعتيادي لسببٍ بسيط وهو أنه لمس انهياراً في المنظومة التي لا تعمل دفاعياً بشكلٍ متناسق أو لا تعمل أبداً في الكثير من المباريات، والدليل تلقّي الفريق عدداً كبيراً من الأهداف بمعدلٍ قارب الهدفين في المباراة الواحدة.
هنا شرع رانغنيك في العمل على تكثيف عدد حماة خط الظهر، فجعل من سكوت ماكتوميناي والبرازيلي فريد بمثابة الدرع الحامي الأول للخط الخلفي، وذلك في موازاة إعطاء دورٍ دفاعي لجايدون سانشو والبرتغالي برونو فرنانديش بحيث يتحوّلان من جناحين الى ظهيرين في الارتداد الدفاعي. وهذه المسألة جعلت من الأول أكثر اجتهاداً، ومن الثاني لاعباً لا يفكر فقط في كيفية نقل الكرة الى الأمام وتسجيل الأهداف.
وبالحديث عن الفكرة الهجومية، لم يهمل «البروفسور» هذا الموضوع، فهو لا يفكر بالدفاع فقط، فهجومياً رفض فكرة وجود مهاجمٍ وحيد في الخط الأمامي، فدفع فوراً بماركوس راشفورد ليكون رأس حربة ثاني الى جانب النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو. كما أنه من خلال نقل الكرة هجوماً بدا كأنه أوعز الى لاعبيه بضرورة عدم التمرير للخلف او في عرض الملعب، بل الذهاب الى اللعب المباشر والعمودي، فباتت الكرة تنتقل بشكلٍ كبير من الظهيرين حتى مباشرةً الى ثنائي خط الهجوم، وهي مسألةٌ يمكن قراءتها من خلال ارتفاع عدد تمريرات لاعبٍ مثل البرازيلي أليكس تيليس الذي كُلّف بمهمة حماية الرواق الأيسر.

فلسفة جديدة أبقت اليونايتد بعيداً من الخسارة في 4 مباريات


بطبيعة الحال، هي الأرقام التي اختصرت كل هذا التغيير الرهيب منذ المباراة الأولى للألماني أمام كريستال بالاس حيث سجّل اليونايتد أكبر عدد من اللمسات في منطقة أحد خصومه هذا الموسم بحيث وصل الى 32 لمسة وتمريرة، مسدداً حتى 16 كرة على المرمى. رقمٌ ليس بالبسيط ويشكّل خطراً على أي خصمٍ، ويشير بوضوح الى أن تشكيلة «الريد ديفلز» يمكنها فرض هيمنتها على أرض الملعب مستقبلاً إذا ما بقي اللاعبون يعملون ضمن النظام الموضوع ويندمجون معه، تماماً كما كانت عليه الحال أيام «السير» الاسكوتلندي أليكس فيرغيسون، الذي منذ رحيله افتقد الفريق الشخصية المسيطرة على الخصم.
الاختبار المقبل سيكون الليلة (الساعة 22.15 بتوقيت بيروت) أمام بيرنلي، ومع هذه المعطيات يفترض أن يخرج «الشياطين الحمر» بالنقاط الثلاث من دون مشاكل، حيث تبدو مهمة خصمهم صعبة لتحقيقِ فوزه الثالث فقط في تاريخ مواجهاته الـ 15 معهم، إذ سبق لعملاق «أولد ترافورد» أن أذاقه طعم الخسارة في ثماني مناسباتٍ سابقة، ويبدو الفوز بمتناوله في حال عمل بتعاليم رانغنيك من دون الخروج عن النص.