ليونيل ميسي في باريس. هي صفعةٌ قويّة لكلّ من وصف الدّوري الفرنسي بـ «دوري الفلّاحين». هذه العبارة استخدمها حساب «الليغ 1» نفسه على «تويتر» عند إعلان وصول النجم الأرجنتيني إلى العاصمة الفرنسية، وأرفق إيّاها بصورة عنزة وهي التي تختصر وصف الأفضل في التاريخ بكلمة «GOAT» بالإنكليزية، ليقول الفرنسيّون بأنّ للفلّاحين الآن أفضل من وُسم بهذا اللقب.

فعلاً تأثير ميسي يتخطّى رفع مستوى طموحات باريس سان جيرمان الحالم منذ الأزل بالفوز بلقب مسابقة دوري أبطال أوروبا، إذ إنّ وجوده في فرنسا سيغيّر بلا شك من موازين القوى في ما خصّ تقييم البطولات الخمس الكبرى، حيث قيل دائماً أن بطولة فرنسا تأتي في المركز الخامس بعد انكلترا واسبانيا والمانيا وايطاليا.
وجود ميسي على أرضية الملاعب الفرنسية سيغيّر بلا شك أيضاً النّظرة إلى الأندية الفرنسية التي لم تترك أي أثرٍ كبيرٍ في دوري الأبطال بحجم ما فعله مارسيليا عام 1993 عندما أصبح الفريق الفرنسي الأول والوحيد الذي يفوز بلقب المسابقة القاريّة الأم. صحيح أن باريس سان جيرمان بلغ المباراة النهائية في النسخة قبل الماضية، لكن كان ينقصه شيء وهو البطل الذي يظهر في اللّحظات الكبيرة، وهذا الثوب لم يرتديه أي من النجوم الكبار الذين تعاقبوا على ارتداء قميص نادي العاصمة الفرنسية.
الفشل المتواصل لأندية فرنسا في أوروبا أقلّه في الأعوام العشرة الأخيرة أسقط صفة الجاذبية عن «الليغ 1»، ولو أن الـ PSG عمد إلى محاولة تغيير هذه الصورة النمطية من خلال استراتيجية تسويقيّة ترافقت مع نشاطٍ مميّز في سوق الانتقالات، ما شدّ الأنظار نسبياً إلى الدّوري الفرنسي، وهي مسألةٌ زادت بحق في الموسم الماضي عندما تُوِّج بطلٌ جديد هو ليل رغم كل النجوم الذين تسلّح بهم البطل السابق والدّائم إلى حدٍّ كبير.

سيحوّل ميسي البطولة الفرنسية إلى قِبلة أنظار العالم ليفعل ما عجز عنه نيمار ومبابي وغيرهما


من هنا، عانى الدّوري في فرنسا موسماً بعد آخر، أوّلاً من قَتل باريس سان جيرمان للمنافسة، وثانياً بحكم شحّ المال جراء العقود التلفزيونية والرعائية الأقل قيمةً بكثيٍر من دوري انكلترا على سبيل المثال، وثالثاً بعد معاناة كل الأندية جرّاء النّكسات الماليّة التي أصابتها إثر تفشّي وباء «كورونا» في البلاد وبالتالي إبعاد الجماهير عن متاجرها ومدرّجات ملاعبها.
لكن اليوم القصّة لا بدّ أن تتغيّر بسرعة، فهناك في الملاعب الفرنسية سيركض ويراوغ ويسدّد ويحتفل أفضل لاعبٍ في التاريخ بنظر الكثيرين، وهو القادر على تحويل البطولة الفرنسية إلى قِبلة أنظار العالم، وهي المسألة التي لم يستطع زميله البرازيلي نيمار من فعلها مثلاً ولا حتّى الموهوب الشاب كيليان مبابي، فهما لا يقارنان بميسي أبداً، أقلّه إذا ما أحصينا الكؤوس والجوائز الفردية التي فاز بها، وطبعاً الأهداف التي لا تُنسى التي رسمها في ملاعب أوروبا.

الحلقة الذهبية المفقودة
وبالحديث عن الملاعب لا بدّ من التوقف عند وجود ميسي في تركيبة باريس سان جيرمان، فهو الحلقة الذهبية المفقودة في تلك التشكيلة التي قيل يوماً أنها لا تُقهر بوجود نيمار ومبابي والأرجنتينيّين أنخيل دي ماريا وماورو إيكاردي وغيرهم من الأسماء اللّامعة. لكن رغم كل هذه الاسماء افتقد الفريق الباريسي إلى لاعبٍ محوريٍّ حاسم يمكنه زيادة لمعان زملائه والفريق بشكلٍ عام.
القائد السابق لبرشلونة الإسباني هو فعلاً الحلّ للكثير من المشاكل الفنية التي عانى منها الـ PSG، أوّلها أنه سيكون المفتاح القادر على فكّ شيفرة أي دفاع متكتّل من خلال سرعته ومهاراته الاستثنائية. صحيحٌ أنّ مبابي امتلك الأولى ونيمار امتلك الثانية، لكنهما برعا أكثر في رسم الهجمات المرتدّة السّريعة في المساحات الفارغة، ولم يظهرا يوماً بصورة ميسي لناحية تكسير أي تكتّلٍ دفاعي.


نيمار لوحده قصّة مختلفة، إن كان لناحية عدم التزامه بأدوارٍ تكتيكيّة مختلفة بل غالباً بدورٍ أساسي في عمليّة البناء أو من خلال عدم ارتقائه إلى مستوى التّحدي في المحطات الحاسمة والمفصليّة، والتي غاب عنها دي ماريّا أيضاً بفعل معاناته من مزاجية غريبة في بعض الأحيان انعكست سلباً على مستواه.
نقاط الضعف هذه استغلتها الفرق المنافسة، لكن هذه الفرق نفسها تعلم اليوم بأنها ستواجه اللّاعب الأقل أخطاءً بالتصرّف بالكرة في تاريخ اللّعبة والأكثر فعاليةً عندما تكون تلك المستديرة عند قدميه. وهذا الأمر ينسحب طبعاً على الفرق الأوروبية المنافسة في دوري الأبطال التي لن تكون قادرة على قراءة الباريسيّين بفعل قدرة ميسي على اللّعب في أكثر من مركزٍ هجومي أو تبديل مركزه في أي لحظة مع نيمار ومبابي، ما يُرجّح أن يكون هذا الثّلاثي الأفضل هجوميّاً في التاريخ لا بل أن يتخطّى بأرقامه ونتائجه ما فعله ميسي ونيمار عندما لعبا إلى جانب الأوروغوياني لويس سواريز في «البرسا»، وخصوصاً بوجود مؤازرة كبيرة متمثّلة بتمريرات دي ماريا وفعالية ايكاردي الحاسم أمام المرمى.
حياة نيمار ستكون أسهل لأن ميسي يستطيع اللعب في كل مكان


بطبيعة الحال مع سرعة مبابي وحسّ نيمار في الهجوم سيكون ميسي قادراً على العطاء بشكلٍ أكبر، وهي مسألة افتقد لها جماعياً منذ رحيل البرازيلي عن برشلونة حيث تغيّر أيضاً أسلوب الأخير بميوله نحو الأنانية أو إذا صحّ التعبير أكثر المبالغة في المراوغة. وهذه المسألة لن تحضر بالتأكيد بوجود ميسي الذي بدا نيمار بأنّه يستمتع بتمرير الكرة إليه ومن ثم استلامها منه أو الاستناد إليه لخلق المساحات واقتحام منطقة الجزاء وهزّ الشباك.
الواقع أن حياة نيمار ستكون أسهل لأن ميسي يستطيع اللعب في كل مكان، وخصوصاً إذا ما شغل مركزاً محورياً خلفه وخلف مبابي في استراتيجية 4-2-3-1، ليمدّهما بالتالي بالكرات الكثيرة في العمق ويسرّع وتيرة اللعب لناحية التمرير، ما يرهق الخصوم بشكلٍ استثنائي. كما يمكن للمدرب الارجنتيني ماوريتسيو بوتشيتينو أن يستخدم ميسي في مركزٍ على الجناح ولو أنه فقد شيئاً من سرعته مقارنةً ببداياته حيث شغل هذا المركز، وذلك كونه يتصرّف بذكاء في الحالة الدفاعية أمام الفرق التي تركّز هجومها أكثر عبر طرفَي الملعب.
ببساطة ميسي هو القطعة التي تنقص باريس سان جيرمان ليكون مثالياً، وهو «العنزة» الذهبية التي ستغيّر حياة «دوري الفلاحين» وتجعلها أرضاً مثمرة لا تعرف سوى إنتاج الألقاب وحصد المال.