لم يكن لقب بطولة لبنان لكرة السلة ليفلت من النادي الرياضي. هو دخل إلى ملعب نادي المريميين في ديك المحدي متسلحاً بثلاثة انتصارات في سلسلة مباريات الدور النهائي في مواجهة الشانفيل. هنا اعتقد البعض أن الرياضي سيلعب من دون إصرار ومن دون أن يرمي بثقله أو يستخدم كامل قوته، ربما بحسب نظرة هؤلاء ليعود إلى المنارة ويحمل الكأس هناك في ملعبه.

لكن كل هذه الأفكار لم تكن واقعية، إذ إن من يتابع الفريق البيروتي منذ بداية الموسم يعرف جيّداً أن حالة الجوع الموجودة عند لاعبيه ليست حاضرة عند أي فريقٍ آخر، وهي مسألة كانت الحجر الأساس للذهاب نحو التتويج في نهاية المطاف. وهذه النقطة بالتحديد لعبت دوراً رئيساً في المباراة الرابعة والأخيرة، فكان حال لسان نجوم الرياضي: «بدنا نخلص».
هذه الكلمات التقت مع إصرارٍ رهيب عند المدرب جورج جعجع لإنهاء الأمور في معقل الشانفيل. هو أرادها لأسبابٍ عدة، أوّلها لكي يحقق الحلم الذي راوده منذ سنوات عندما قرر أن يكون أصغر مدربٍ يحرز لقب بطولة لبنان، وقد فعلها في الـ 26 من العمر، متخطياً مدرب الرياضي السابق أحمد فران الذي فاز بالبطولة بعمر الـ 36. أما السبب الثاني فهو أنه أراد الفوز باللقب بسجلٍ شخصي نظيف، إذ إن الخسارة الوحيدة التي تلقاها الرياضي في الموسم المنتهي كانت في غيابه بعد إصابته مع عددٍ من اللاعبين بفيروس «كورونا»، فاستفاد أطلس الفرزل من الفرصة وحصل على شرف تحقيق الفوز الوحيد على الفريق البطل. أما ثالث الأسباب فكانت واضحة وهي رغبة جعجع في تقديم نفسه مدرباً من الصف الأول، وهو أمر لم يكن ليحصل لو أنه لم يُسقط الفريق الذي رشّحه كثيرون لإحراز اللقب قبل بداية الموسم، وقد فعلها مرتين في أرضه في النهائي، ليذهب إلى قصّ شبكة سلته ويحتفظ بها.

لعب الرياضي باللون الأسود طوال الموسم حداداً على شهداء انفجار مرفأ بيروت


جعجع حمل مشهداً جديداً إلى كرة السلة اللبنانية، انطلاقاً من فلسفةٍ تدريبية خاصة ترتكز على الاجتهاد يومياً في العمل على تحضير المباريات حتى ساعات متأخرة. عمله هذا اختلط مع بنائه جسر صداقة مع لاعبيه، ومنهم من يكبرونه سنّاً، أمثال القائد جان عبد النور الذي يكبره بـ 11 سنة، وإسماعيل أحمد الذي يكبره بـ 18 سنة. لكن رغم ذلك كانت الإشادة علنية من اللاعبين له، وبادلهم بنفسه «التغنيج» من خلال كلامه في المقابلات، مفتخراً بالعمل معهم وكأنه لاعب ناشئ يحقق أحلام الطفولة. الكلمة الأخيرة ربما كانت حاضرة في ردّ التحية إليه من قبل لاعبيه الذين احتضنوه واحداً تلو الآخر، مانحين إياه ما يستحقه من تقدير، فيما حمله «سمعة» على أكتافه ليقوم بقصّ شبكة السلة.
جعجع ربما يسير على خطى الكثير من المدربين الشهيرين حول العالم الذين لم يخوضوا مسيرةً طويلة ومجيدة، لكنهم تحوّلوا إلى أهم العقول في عالم التخطيط والتدريب. تخطيطه هذا ظهر في كل محطة حتى لو كان فريقه متقدّماً بفارقٍ كبير، وذلك في وقتٍ نفّذ رجاله المطلوب وأكثر لأنهم لم يشبعوا يوماً من تحقيق الانتصارات.
لكن الأهم من كل هذا أن لاعبي الرياضي بدوا وكأنهم يستمتعون بلعب كرة السلة. هم اشتاقوا إليها ربما أكثر من غيرهم بعد غيابها لأكثر من سنة، وهم أيضاً استمتعوا بفكرة الفريق أي أنهم مجموعة كاملة متكاملة ومتناغمة بشكلٍ رهيب على أرض الملعب. وهذه المسألة تتوقف عند ذكاء إدارة الرياضي باعتمادها سياسة تعاقدات دقيقة ومحسوبة بشكلٍ جيّد، بينما لم يظهر أن اللاعبين أصلاً يبحثون عن المجد الشخصي بل عملوا ككتلة واحدة، وهو ما صعّب الأمور على الخصوم الذين إذا ما استطاعوا إيقاف هذا اللاعب أو ذاك تحرّر الآخرون، فوقع الخصوم تحت وطأة الضربات التي تختصر بالسلات من مختلف المسافات.
ما فعله الرياضي هذا الموسم من عملٍ في المكاتب قبل الملاعب، كان فعلاً درساً للجميع، ويكفي أن رسالته كانت أبعد من رياضية لا بل هي أكدت ارتباطه بهويته البيروتية، فخاض الموسم كاملاً مستغنياً عن لباسه الأصفر التقليدي، إذ استبدله باللون الأسود كاملاً حداداً على شهداء انفجار مرفأ بيروت، فكان العلم اللبناني وتاريخ 4 آب 2020 هما العنوان على قميصه الذي لو أراد تزيينه بنجوم الألقاب فهو لن يجد مساحةً كافية لها.
فاز الرياضي باللقب مجدداً وبقي على عرش كرة السلة اللبنانية، لكن فوزه هذا وبهذه الطريقة السهلة لا يبدو أنه سيمرّ مرور الكرام، إذ قبل أن يذهب إلى ديك المحدي أول من أمس كانت غالبية الفرق الطامحة والمنافسة تدخل إلى اجتماعات مغلقة متناولةً أسماء اللاعبين الذين يمكنهم هزّ عرش الرياضي، وسائلين السؤال نفسه: «ماذا يمكن أن نفعل لهزيمة البطل؟». سؤالٌ لم يجد أحدٌ أي جواب له حتى هذه اللحظة.