قدّم المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني منظومة شبه متكاملة خلال مسابقة اليورو الأخيرة تمكنت في نهاية المطاف من رفع اللقب على حساب منتخب «الأسود الثلاثة». صلابةٌ دفاعية خلف وسط ميدان ديناميكي ومن أمامهم هجوم «متنوّع» جعلت من المنتخب الإيطالي منافساً صعباً للجميع. ما كان لافتاً، عدم فاعلية رأس الحربة (تناوب على هذا المركز كل من تشيرو إيموبيلي وأندريا بيلوتي)، الأمر الذي وضع الفريق في مأزقٍ خلال بعض المباريات.

قام مانشيني بتجديد شامل للمنظومة مقارنةً بجيل 2018 «المخيّب». ورغم تغيير أغلب العناصر، لم يجد المدرب المخضرم أسماء قادرة على قيادة هجوم المنتخب غير إيموبيلي وبيلوتي. كان المهاجم اليافع مويس كين مرشحاً للمشاركة رفقة المنتخب، لكن مانشيني فضّل استبعاده دون أسبابٍ واضحة.
يُعد مويس كين أحد أفضل المواهب الإيطالية الهجومية الصاعدة، ويمكن القول إنه يشكّل رفقة راسبادوري وسكاماكا أمل إيطاليا الوحيد في السنوات المقبلة، نظراً إلى عدم وجود مواهب هجومية لافتة كما كانت الأمور في السابق. ندرة المواهب الهجومية مقارنةً بالوفرة الكبيرة التي ظهرت قبيل دخول الألفية أثارت الحيرة والتعجب، فما السبب؟
في الفترة الممتدة بين الثمانينيات والتسعينيات، طغت القوانين التي تقيّد امتلاك الأندية الإيطالية أكثر من لاعبين «أجنبيين»، الأمر الذي أجبر الأندية على الاعتماد على لاعبيها المحليين وتطويرهم حتى وجد العديد من المهاجمين أنفسهم خارج تشكيلة المنتخب نظراً إلى «زحمة» الأسماء حينها.
ومع إزالة تلك القوانين الصارمة تدريجياً (سمح الاتحاد في بادئ الأمر باستقدام ثلاثة لاعبين جاء على إثر هذا الإجراء ثلاثي ميلان الهولندي) والاعتماد أكثر على الأجانب في ظل نجاح تجربة دييغو أرماندو مارادونا وغيره من اللاعبين غير الإيطاليين الذين تركوا بصمتهم في الكالشيو، تمّ تهميش المواهب المحلية الأمر الذي حال دون تطويرها أو إظهار مواهب إيطالية جديدة، تحديداً في مركز رأس الحربة. مقابل ذلك، اتجهت الأندية لاستقدام لاعبين من شرق أوروبا ومن أميركا اللاتينية بأسعار منخفضة وبيعها في ما بعد بأسعار مضاعفة.

قد يعاني منتخب إيطاليا في بطولة كأس العالم المقبلة من دون مهاجم


من الأسباب التي ساهمت تباعاً في افتقار المنتخب ومن خلفه الكالتشيو لمواهب هجومية صاعدة أيضاً، سوء استثمار البنى التحتية، والحديث هنا تحديداً عن الأكاديميات، وذلك يعود ربما إلى الأزمة الاقتصادية التي ضربت الدولة مع بداية الألفية.
ظهر جلياً ضعف تصدير المدارس الإيطالية الكلاسيكية لمواهب هجومية في العقد الأخير، تحديداً تلك التي اعتادت على بيع «خرّيجيها» كدعّامة للاستمرار، مثل أندية أودينيزي، جنوى، كالياري…
لعلّ آخر مهاجم جيّد مرّ على المنتخب الإيطالي كان ماريو بالوتيلي، غير أنّ مزاجية اللاعب وعقليّته غير الاحترافية طغتا على حجم الموهبة التي يتمتع بها صاحب الـ30 عاماً، دون نسيان العنصرية التي تعرض لها خاصة في إنكلترا، والتي أثّرت على مسيرته.
«الشح» في المواهب الهجوميّة أجبر المدرب أنطونيو كونتي على استدعاء بعض اللاعبين «المغمورين» عند إشرافه على المنتخب (قبل حقبة مانشيني بعامين)، ليعتمد على أمثال غرازيانو بيلي بعمر 29 عاماً وإيدر (28 عاماً). هذه الأسماء عكست ضعف الجيل الإيطالي، الذي أعطى إلى العالم في يوم من الأيام، تحديداً عام 1998، مهاجمين كباراً مثل كريستيان فييري وفيليبو إنزاغي وروبرتو باجيو وأليساندرو ديل بييرو وإنريكو كييزا. مانشيني يعاني حالياً من نفس المشكلة رغم تفوّق المهاجمين الحاليين من حيث الموهبة مقارنةً بمهاجمي كونتي، حيث إنّ معدّل أهداف إيموبيلي وبيلوتي منخفض جداً رفقة المنتخب مقارنةً بمعدل أهدافهما في الدوري المحلي. حالياً، لا مهاجمين إيطاليين «أساسيين» في الفرق النخبة للكالتشيو، فباستثناء لاتسيو، تعتمد فرق القمة على مهاجمين «أجانب» وهو ما يؤشر إلى انخفاض المواهب المحلية.
المنتخب الإيطالي قوي جداً «كمنظومة»، ظهر ذلك جلياً خلال بطولة اليورو. لكن، وفي ظل عدم بروز إيموبيلي وبيلوتي على الصعيد الدولي، قد يعاني الأتزوري في بطولة كأس العالم المقبلة خاصةً أمام الفرق الدفاعية. التركيز يجب أن ينصب من قبل الاتحاد على تطوير الأكاديميات لتصعيد مواهب هجومية يستفيد منها الدوري، والمنتخب الإيطالي تباعاً، وإلا قد يعاني الأتزوري كثيراً في الاستحقاقات المقبلة.