استثنائيٌ في كل شيء، في شخصيته، في لهجته وطريقة كلامه، في طريقة تدريبه، في رؤيته. في لقبه... حتى في نمط حياته. هو الحاج عدنان الشرقي. الشرقي ليس كنيته، هو لقبه، فكنيته الأساسية مكداش. ابن بيروت. ابن الطريق الجديدة. ابن شارع الروّاس. لا شك أن الاستيقاظ صباحاً على خبر وفاة شخص ما يعتبر أمراً مزعجاً. لكن حين يكون هذا الشخص هو الحاج عدنان الشرقي، يتحول الخبر من مزعج إلى مفجع. صحيح أن الحاج عدنان كان مريضاً جداً في أيامه الأخيرة، لكن من الصعب أن تستيقظ يوماً وترى أنك فقدت شخصاً بقيمة عدنان الشرقي.

الشرقي مع رفيق دربه أبو طالب وجمال الخطيب (طلال سلمان)

مشاعر متناقضة بين حزن وغضب... وابتسامة وعودة الى ماضٍ قريب كان لا يزال فيه عدنان الشرقي حاضراً في منصات الملاعب كمتفرّج.
لا بد من الكتابة عن الحاج عدنان الشرقي. صحيح أنه مهما كُتب لا يفي «شيخ المدربين» حقّه، لكن حبك واحترامك لهذه الشخصية التي لن تتكرر يجعلاك تفكر: من يمكن أن يخبرك عن الحاج عدنان؟
[اشترك في قناة ‫«الأخبار» على يوتيوب]
أول اسم يقفز الى ذهنك «أبو طالب». محمود برجاوي. رفيق دربه وعشرة عمر طويلة جمعتهما منذ مطلع الستينيات. صديقه الحميم، لكن ليس الأول والأقرب. تسأل «أبو طالب» من هو الصديق الذي كان الأقرب الى قلب الحاج عدنان، يجيبك المدرب برجاوي «الله يرحم عبد شبارو. أنا كنت الصديق الثاني في الترتيب. الراحل سمير العدو أيضاً كان من أصدقائه المقربين».
صداقة بين الراحلين وصلت إلى أن يصبحوا «عدلاء». تزوّج الشرقي والعدو من شقيقتين.
يشعر «أبو طالب» بغصة حين تطلب منه العودة إلى الوراء. إلى أيام الطريق الجديدة في الستينيات. بدايات نادي الأنصار، عشق عدنان الشرقي الأبدي. «كانوا يجتمعون في علّية فوق محل الدراجات الهوائية الذي يملكه والد مصطفى البابا. مجموعة من الأنصاريين المؤسّسين كالشرقي والبابا والوزير السابق خالد قباني. من ذلك المكان ومن ذلك الزمن بدأت قصة عدنان الشرقي مع الأنصار. هذا العشق الذي جعله يترك الجيش اللبناني في مطلع السبعينيات ليتفرّغ لهذا النادي. هذا العشق الذي جعله يصرف كل ماله على لاعبي الأنصار قبل مجيء سليم دياب».
كان عدنان الشرقي استثنائياً في العديد من نواحي حياته


يشدد «أبو طالب» على أن رفيق عمره، من الستينيات كصديق، ومن الثمانينيات كصانعَين لمجد الأنصار، «لم يتقاضَ قرشاً واحداً من سليم دياب. كان يعيش من معاشه التقاعدي».
بقدر ما كان الأنصار عشقه، كذلك كانت منطقة الطريق الجديدة. بين حيّ الرواس حيث يقطن وحيّ البرجاوي وبيت الدنا، خلف محطة الدنا، كان الشرقي يقضي معظم أوقاته.
«الأنصار كان كل حياته» يقول «أبو طالب». وحين تقول له إنه لعب مع النجمة أيضاً يجيب «هيدي كانت تفنيصة. لعب شهراً واحداً حين أخذه جميل حاسبيني الله يرحمو. عشقه الوحيد كان للأنصار».


تسأل برجاوي عن عادات رفيقه الراحل ونمط حياته. كيف يتصرف؟ ماذا يحب أن يأكل؟ كيف يقضي وقته؟ «ملك الملوك. رجلٌ لا يتكرر. علاقته بالله كانت متينة ومتمسّك بالتعاليم الدينية. حقّاوي وقانوني وتقي. نيالو عند ربّو» يقول «أبو طالب» بصدق وحرقة عن رفيق عمره.
الزميل علي صفا أيضاً من الأشخاص الذين عاصروا الحاج عدنان. يتحدث «الأستاذ علي» عن الشرقي بفرح. لا يمكن أن تتحدث عنه سوى بهذه الطريقة. صاحب نكتة وروحه مرحة. يتحدث صفا عن جلساته مع الشرقي وأبو طالب و«مناكفات» الرجلين الكروية. «غالباً ما كان النقاش يحتّد بفكاهة عن الماضي الكروي لكل منهما. يشدد أبو طالب على أنه كان هدافاً. في إحدى المرات تذكروا مباراة انتهت نتيجتها 3-2. حينها قال أبو طالب للشرقي إنه هو من سجّل الأهداف الثلاثة. فردّ الشرقي بحدّية: يا خيي إنت سجّلت الخمس غوال منيح هيك؟» يضحك صفا حين يعيد سرد هذه الحادثة.
الشرقي كان استثنائياً في العديد من الأمور؛ منها طريقة أكله واختياره لأنواع الطعام. «يأكل على الكالتالوغ» يقول أبو طالب. «حبتين زيتون بالعدّية، ومن المستحيل أن يزيد حبة واحدة، إذ كان الكتاب الذي جلبه من أوروربا يقول بحبتين فقط».
أمرٌ يؤكده صفا حول دقّة الشرقي في اختيار أنواع الطعام. «في إحدى المرات، وخلال جلسة خاصة، كنا نريد تناول الغداء، فقام الشرقي بسحب بضعة مكسرات نيّئة من جيبه وقال هذا غدائي».
الاستثنائية ليست فقط في نمط حياته، بل في فكره الكروي والمدرسة التدريبية التي أسّسها أيضاً. «كان قاسياً جداً مع لاعبيه، لكن رغم ذلك كانوا يحبّونه. حين يأتي الموضوع للأنصار ما في مزح»، يقول صفا في ختام حديثه إلى «الأخبار».
يختتم حديثه طالباً الرحمة للشرقي. ينهي المكالمة ويتوجّه إلى كتابة كلمة عن الراحل الشرقي بناءً على طلب «الأخبار». كلمة وكلمات لا يمكن أن تلخّص تاريخ رجل بحجم عدنان الشرقي.
لكنها محاولة ليست من شخص واحد بل من كل شخص يكتب عن عميد المدربين.