أصبح لبايرن ميونيخ أكثر من ملعب لخوض التمارين، فهو تنقّل بين ملاعب المدن الألمانية مواجهاً فرقها ليلقّنها دروساً في كرة القدم. قد يقول البعض إن في الكلام المذكور مبالغة، لكن لا يمكن الحديث عن «تفخيم» في غير محله، عندما يكون البايرن قد سجّل رباعيات وخماسيات وسداسيات في مرمى غالبية الفرق الألمانية. وقد لا يكون في الأمر أي مبالغة على الإطلاق عندما نرى بطل أوروبا والعالم لا يخسر أي مباراة في الدوري الألماني ولا يهدر سوى 4 نقاط في طريقه إلى اللقب.


هذا البايرن قادر على تحطيم كل شيء، من الارقام القياسية الى الخصوم الذين يواجهونه، وهو امر ترك قلقاً كبيراً لدى الفرق الالمانية التي تشعر اليوم بأن «هوليوود الكرة الالمانية» لن تخسر اي مباراة هذا الموسم الا في حال أرادت خسارتها!
نعم، يبدو القرار اليوم عند المدرب الاسباني جوسيب غوارديولا حول توزيع «فتات» النقاط الى الخصوم في المراحل الاخيرة في الدوري عبر الدفع ببعض اللاعبين الناشئين وإراحة الاساسيين وتفريغهم لحملة ابقاء لقب دوري ابطال اوروبا في ميونيخ.
لكن نبقى في المانيا، حيث الشعور السائد اليوم بأن بايرن ميونيخ ضرب «البوندسليغا» وأثّر عليها سلباً عبر هيمنته المطلقة، إذ أخذ يظهر اقوى اسبوعاً بعد آخر حتى وصل معدل نسبة استحواذه على الكرة الى 71% في المباراة الواحدة، بينما بدت لمسات «بيب» حاضرة في نسبة التمريرات الصحيحة للاعبيه التي وصلت الى 88%، وهو رقم مخيف بطبيعة الحال.
طبعاً الخوف والتوتر هما ما يشعر بهما المنافسون المحليون اليوم، فهم لمسوا ان بايرن يقترب من فرض سيطرة غير مسبوقة على الدوري ولفترةٍ اطول من تلك الفترات التي كان فيها الاقوى في المانيا.
ومن دون الغوص في الاسباب الكثيرة التي نصّبت بايرن الفريق الأفضل، لا بدّ من التوقف عند العنوان العريض الذي يحكي عن مساوئ هذه السيطرة المطلقة والضرر الذي ستلحقه ببطولة «البوندسليغا»، التي شدّت الانظار اليها في المواسم القريبة الماضية بفضل ارتفاع المستوى الفني وغزارة الاهداف، اضافة الى بروز فرقها على الساحة القارية.
الحقيقة انه في سيطرة بايرن الكثير من السلبيات والإيجابيات. وانطلاقاً من النقطة الاولى، لا يخفى أن السيطرة الأحادية اسقطت الاهتمام والمتابعة عن مباريات الفرق التي كان من المفترض ان تكون منافسة لبايرن هذا الموسم، مثل بوروسيا دورتموند وشالكه وباير ليفركوزن، إذ لم يتمكن اي منها من مجاراة البافاريين الذين تسلحوا بتشكيلتين متوازنتين، عرف غوارديولا كيفية توظيفهما في المباريات المختلفة المستوى، من دون ان يتبدّل الأداء الفني لفريقه.
وما فعله بايرن ليس بالجديد فهو فرض سطوة مماثلة، لكن جرى كسرها مرات عدة، ففي السبعينيات ظهر البافاري لا يُقهر لكن بوروسيا مونشنغلادباخ بدّل المعادلة، ومثله فعل هامبورغ في الثمانينيات، وبوروسيا دورتموند في التسعينيات وحديثاً في الألفية الجديدة.
إذاً، هذه الامثلة تعطي تأكيداً بأن اي نادٍ آخر يمكنه كسر احتكار بايرن، لكن اولاً عليه التزام معايير معينة، وشروط محددة، للوصول الى الهدف المنشود.
وقد يأتي أي نادٍ ليقول بأنه لا يمكن لأي من الاندية الاخرى مجاراة الامكانات المادية لبايرن التي تمكّنه من عرض راتب مضاعف على اي نجم في «البوندسليغا» لخطفه واضعاف فريقه. وهذا الامر فيه الكثير من الصحة، لكن لا بدّ من التنبّه الى ان بايرن لم يولد غنياً ولا يملك مصرفاً داعماً له بميزانية مفتوحة، بل إن ما جعله قوياً على هذا الصعيد هو معرفته كيفية استثمار امواله في صفقات ناجحة وغير عشوائية، ما انعكس نتائج فنية طيبة على الساحتين المحلية والقارية، فعزّز من خلالها قدراته المالية وضمن مستقبلاً مشرقاً لسنواتٍ طويلة. كذلك، لا يمكن نسيان أن بايرن اتُهم في فترةٍ من الفترات بالبخل، لكنه كان وقتذاك يدرس حساباته المالية حتى لا يقع في فخ الديون التي جعلت اندية كبيرة عدة ملكاً لجهات
اجنبية.
ما يحصده بايرن اليوم هو نتاج عملٍ امتد لأكثر من 40 سنة، إذ إن نجاحه لم يكن فقط على الملعب، بل في المكاتب ايضاً، وهي من الدروس الايجابية التي يمكن ان يتركها لمنافسيه الساعين الى اللحاق به والتخلّص من بطشه، بعدما بدا كالقاتل المتسلسل الذي لا يعرف الرحمة ضارباً بكل قوته، ومسقطاً خصومه واحداً تلو الآخر بنتائج كبيرة، ليؤكد بأن ما فعله في عصر المدرب يوب هاينكس لم يكن سوى مقدمة لحقبة مشرقة أخرى.

يمكنكم متابعة شربل كريم عبر تويتر | @charbel_krayem





كلوب يشعر بالخوف

أبدى مدرب بوروسيا دورتموند يورغن كلوب تخوّفه من إمكان سيطرة طويلة الأمد لبايرن ميونيخ على الكرة الالمانية، معتبراً أن الفارق الشاسع الذي صنعه مع فريقه على لائحة الترتيب، جعله يحتاج الى جهاز «تلسكوب» ليتمكن من رؤية الفريق البافاري المحلّق في القمة. وختم: «إنه إنجاز عظيم، أهنئهم على إحرازهم البطولة بهذه الطريقة الرائعة».