لم يكن من المفترض أن تصبح الأمور معقّدة بالنسبة الى لبنان في المجموعة الثامنة الخاصة بالتصفيات الآسيوية، لكن خسارة مفاجئة أمام كوريا الشمالية في المباراة الافتتاحية، ومن ثم فوز الكوريين على سريلانكا (1-0)، وقبلها فوز تركمانستان على الأخيرة (2-0)، وبعدها سقوطها أمام كوريا الجنوبية (0-2)، وضعت المنتخب اللبناني مع نظيره السريلانكي في وضعٍ صعب ومن دون أي نقطة.

فوز كوريا الشمالية الثاني تحديداً ورفع رصيدها الى 6 نقاط في صدارة المجموعة أمام جارتها كوريا الجنوبية التي خاضت مباراة واحدة، يضع اللبنانيين امام مفترق طرق في التصفيات عند مواجهة تركمانستان، اذ كما هو معلوم فإن الكوريين الجنوبيين لن يتنازلوا عن الصدارة في نهاية المطاف بالنظر الى الفارق في المستوى بينهم وبين خصومهم، ما يعني ان المنافسة على الوصافة ينتظر ان تكون بين: كوريا الشمالية، لبنان وتركمانستان. وبما ان المنتخب الكوري الشمالي وضع نفسه في موقفٍ قوي، لا خيار امام لبنان سوى التغلّب على تركمانستان لبدء عملية إبعادها عن دائرة المنافسة على المركز الثاني، ووضع ضغطٍ بالتالي على كوريا الشمالية التي ستغيب عن الجولة الحالية ثم تلتقي في الجولة التالية التي تقام الثلاثاء المقبل مع نظيرتها الجنوبية، بينما يخوض «منتخب الأرز» مباراة مع سريلانكا يفترض ان تكون في المتناول، ما يعني انه في حال فوزه اليوم، ثم في المباراة الأخرى خارج الديار مع خسارة الشماليين، سيكون قد جمع 6 نقاط أيضاً.

تأهل المنتخب التركماني إلى كأس آسيا الأخيرة وهو يحتل المركز الـ 131 عالمياً


كل هذه الأمور تبقى في دائرة الحسابات الممزوجة بالأمل في تحقيق منتخبنا للمطلوب منه، لكن كل هذا يتوقف ايضاً عند الحسابات الفنية لمواجهة خصمٍ يبدو مجهولاً بالنسبة الى الجميع، ولو ان خسارته امام كوريا الجنوبية بهدفين فقط لا بدّ ان تكون قد لفتت الانتباه الى ان لبنان لن يواجه منتخباً هزيلاً.
الواقع ان المنتخب التركماني يحتل مركزاً متواضعاً في تصنيف «الفيفا» (المركز 131)، لكنه كان قد فرض حضوره على الساحة القارية عندما بلغ نهائيات كأس آسيا 2019 حيث قدّم أداءً مقبولاً ايضاً، رغم خسارته مبارياته الثلاث في دور المجموعات، اذ سقط امام اليابان بفارق هدفٍ واحد (2-3)، وخسر من عُمان (1-3)، فيما كانت سقطته الأقسى امام اوزبكستان برباعية، وهي نتيجة غير مفاجئة كونه واجه غريماً تقليدياً له وعاش لاعبوه ذوو الخبرة الدولية المحدودة توتراً وضغوطاً كبيرةً قبل اللقاء وخلاله.
ويشرف على هذا المنتخب الدولي الكرواتي أنتي ميشه الذي سبق ان كان مدرباً مساعداً لمنتخب بلاده بين عامي 2015 و2017. الرجل لا يملك لاعبين محترفين كأولئك الذين يضمهم منتخب لبنان، فالأبرز على هذا الصعيد ربما هو لاعب الوسط أرسلان ميرات أمانوف الذي يدافع عن الوان لوكوموتيف طشقند الأوزبكي.


من هنا، هناك اسباب كثيرة ليخرج لبنان بالنقاط الثلاث من اللقاء، أقلّه كونه يلعب على ارضه وبين جمهوره المتعطّش لرؤيته مجدداً في بيروت، والطامح الى فوزٍ يعطيه سبباً لمواكبته بشكلٍ اكبر خلال المباريات المقبلة في التصفيات. وبالتأكيد، فإن الخسارة امام كوريا الشمالية، ولو ان ظروفاً عدة كانت سببها، تركت قلقاً واضحاً عند كل المتابعين، وخصوصاً ان منتخبنا دخل مرحلة جديدة مجهولة النتائج مع مدربٍ جديد هو الروماني ليفيو تشيوبوتاريو.
اليوم، يمكن سؤال أي أحد يدور في فلك المنتخب عن القرارات الأخيرة المتخذة على صعيد الخيارات الفنية، فيشير الى تشيوبوتاريو. الأخير اختار تشكيلته، تاركاً بعض المفاجآت، منها عدم استدعائه المدافع جوان العمري بعد الإعفاء السريع عنه لتخلّفه عن المباراة الأولى. اما السبب فهو وجهة نظر فنيّة، بحسب ما قال الأمين العام للاتحاد جهاد الشحف في مقابلة تلفزيونية مطلع الأسبوع الحالي. أضف، فإن اسماً كبيراً غاب ايضاً بشكلٍ غير متوقّع وهو نجم الأنصار حسن شعيتو «موني» الذي قدّم أداءً عالي المستوى في اللقاء الأخير لفريقه امام الصفاء. وحول موضوع «موني»، قال مدرب المنتخب ان استبعاده هو «وجهة نظر فنية»، ولكن «هذا الأمر لا يعني أنني استغنيت عنه نهائياً».
لكن الكل يعرف ان مرحلة التغيير تسير بشكلٍ هادئ في المنتخب، ولو ان عدم حضور الثنائي المذكور ليس نهائياً بالتأكيد كونهما كانا دائماً من العناصر المهمة في المنتخب ويملكان قيمة فنية عالية يعرفها اي مدرب. مرحلةٌ يبدو الجيّد فيها انها حملت وجوهاً جديدة، امثال لاعب وسط شباب الساحل حسين رزق، الذي يعدّ من الأسماء الواعدة جداً، والتي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً. اما الوجه الجديد الآخر، الذي يطلّ للمرة الأولى، فهو لاعب النجمة عبد الله عيش. صحيح ان الأخير قد لا يحتاج الى وقتٍ غير قصير للعب دورٍ في المنتخب، لكن فكرة وجوده تأتي لناحية خلق منافسة في مركز الظهير الأيسر، حيث لا يوجد سوى لاعب الأنصار حسن شعيتو «شبريكو» مع استمرار غياب زميله نصار نصار الذي شغل هذا المركز سابقاً.
يغيب موني عن المنتخب بقرار من المدرب ليفيو تشيوبوتاريو


المهم ان المنتخب يملك العناصر اللازمة لحصد الانتصار، لكن المشاهد القليلة التي وصلت من كوريا الشمالية، بعد المباراة الأولى، تركت ملاحظات عدة، منها شكل انتشار اللاعبين وتمركزهم، وخصوصاً في الحالة الدفاعية، حيث بدت صادمة الطريقة التي سجّل منها الكوريون، والفراغ الكبير الذي كان موجوداً بين خطّي الوسط والدفاع، ما يحتّم عملاً كبيراً لخلق الانضباط الدفاعي وتحديد أدوارٍ معيّنة للاعبين من اجل تنفيذها بدقة، ما يفضي الى خلق توازنٍ مطلوب في التشكيلة.
اما النقطة الاخرى فهي الواقعية التي لطالما تحدث عنها المدرب السابق المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش، وذلك لناحية الحذر في التعامل مع المنتخبات المجهولة الإمكانات لكي يتفادى لبنان عنصر المفاجأة، اضافةً الى مقاربة كل مباراة بحسب شكل الخصم، وخصوصاً ان المستويات متفاوتة وأشكال المنتخبات المنافسة مختلفة تكتيكياً بشكلٍ كبير في القارة الآسيوية.
ثلاث نقاط مطلوبة، وإعادة اطلاق المشوار في التصفيات مسألة أساسية ولا غنى عنها، وهي ستكون منوطة فقط باللاعبين الذين بإمكانهم صناعة الفارق، مستمدين قوتهم من الجمهور الذي لطالما آمن بهم، فكان الدفاع الأساسي لبلوغهم العرس الآسيوي من بوابة التصفيات للمرة الأولى في تاريخ الكرة اللبنانية.