لم يكن الإيقاف الأخير لثلاث مباريات محلية، الذي تعرّض له نجم باريس سان جيرمان البرازيلي نيمار بعد ضربه لأحد المشجعين، هو المؤشر الوحيد عن عمق المشكلات الموجودة في نادي باريس سان جيرمان. جولةٌ سريعة على وسائل الإعلام الأوروبية، وخصوصاً الفرنسية، تترك انطباعاً واضحاً حول عددٍ من المطبّات التي عرفها الباريسيون والتي أرخَت بظلالها على الموسم، ولا شك في أنها تهدّد مستقبل مشروع النادي الطامح إلى أعلى المراتب، لكنّ الواقع أن المشروع الخاص بالموسم الحالي انهار، فمن هو المسؤول؟

الواقع أنه لا يمكن تحميل المسؤولية لجهةٍ واحدة أو لعنصرٍ واحد، بل إلى الجو العام الذي لا يتلاقى أبداً مع ما رُسم من قبل القيّمين على النادي، وتحديداً رئيسه ناصر الخليفي الذي، ومنذ وصوله، صرف مبالغ ضخمة للتعاقد مع أسماء كبيرة في عالم اللعبة، وذلك بهدف السيطرة على الكرة الفرنسية وتالياً الأوروبية.
الهدف الأول تمّ تحقيقه، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى فارق الإمكانات المادية والفنية بين فريق العاصمة وبقية فرق الـ«ليغ 1». أما الهدف الثاني فهو بعيد كلّ البعد عن أبناء الـ«بارك دو برينس» الذين يحتاجون إلى أكثر من المال ليصبحوا فريقاً حقيقياً. المشكلة الجوهرية في PSG ترتبط بالعقلية الإدارية السائدة، وتلك الخاصة باللاعبين، حيث تسقط في أماكن عدة الأصول الانضباطية الموجودة في الأندية الأخرى، ويفلت اللاعبون من العقاب مهما بلغ حجم أخطائهم، إذ وحده لاعب الوسط أدريان رابيو كان «كبش الفداء» من دون أن يتّعظ أحدٌ من الدرس الذي حاولت الإدارة تركه للاعبيها.
لا يجب نسيان أن النادي خرج من دوري أبطال أوروبا أمام مانشستر يونايتد الذي واجهه بفريقٍ رديف إلى حدٍّ كبير. بعدها خسر نهائي مسابقة كأس فرنسا أمام رين بطريقة كارثية بعدما كان متقدّماً بهدفين. كما تخبّط في الدوري رغم حسمه للقب، مستفيداً من النقاط التي جمعها في المراحل المبكرة من الموسم، وطبعاً من تعثّر ملاحقه المباشر ليل.

المشكلة الجوهرية في PSG ترتبط بالعقلية الإدارية السائدة وتلك الخاصة باللاعبين


كل هذه المؤشرات الفنية السيئة إذا ما دلّت على شيء فهو على مرحلة ضبابية لا بل سوداء عاشها باريس، ما قد يؤثر على مستقبل مشروعه وخصوصاً في ظلّ تفرّع المشكلات، وذلك في موازاة عدم وجود استراتيجية واضحة، وهو أمر يظهر أحياناً من خلال سياسة التعاقدات العشوائية حيث تُصرف المبالغ الكبيرة على لاعبين لا يستحقونها أو يتمّ التعاقد مع لاعبين لا حاجة لهم في التشكيلة. المشكلة الأساسية التي حكت عنها وسائل الإعلام المختلفة هي في انضباط اللاعبين، إذ بسبب هالة النجومية غير الطبيعية التي أحيطت بهم بات معظمهم يتصرّفون من دون أيّ اكتراث للجوانب الاحترافية، على غرار ما فعل كيليان مبابي عشية المباراة أمام الغريم مرسيليا حيث تأخر عن التمارين، ما أبعده عن التشكيلة الأساسية. أما الأخطر فهو ما تمّ ذكره عن معسكرات داخل غرف الملابس، بحيث ينقسم الفريق إلى ثلاثة أقسام: اللاعبون الفرنسيون، اللاعبون الأوروبيون وأولئك القادمون من أميركا الجنوبية. وهؤلاء اللاعبون لم يتوانوا عن انتقاد بعضهم البعض علناً، على غرار ما فعل نيمار بتوجيه الأسهم باتجاه اللاعبين الشبّان، معتبراً أنهم دون المستوى المطلوب.
النجم البرازيلي أصلاً هو أحد مشكلات الفريق بدلاً أن يكون حلّاً، فهو أيضاً أُوقف لثلاث مباريات أوروبياً بسبب تعرّضه للحكام، ناهيك عن كلامٍ حول عدم انضباطه التكتيكي على أرض الملعب. بطبيعة الحال، خلق البرازيليون إزعاجاً كثيراً، إذ إن داني الفيش مثلاً، لم يتردّد في انتقاد الإدارة علناً لعدم إنصاتها إليه على اعتبار أنه صاحب خبرة. أما تياغو سيلفا فهو بالتأكيد ليس القائد الذي يستحق حمل الشارة وقيادة مجموعة من أصحاب «الرؤوس الحامية» على أرضية الميدان بحُكم شخصيته الضعيفة أو إذا صح التعبير التي لا تصل إلى مستوى شخصية بعض زملائه.
كلّ هذا يترافق مع عدم منح صلاحيات مطلقة للمدرب الألماني توماس توخيل، رغم أنه كان على قدرٍ عالٍ من المسؤولية وعرف كيفية إيجاد التوازن في تشكيلته لناحية إشراكه لجميع نجومه من دون أن يلقى اعتراضاً من أحد. هو بحسب ما يُشاع كان ضد «تدمير» رابيو، لكن الجناح الإداري القوي كسر قراره وأبقى على «سجن» لاعب الوسط الذي سيترك الفريق نهاية الموسم، بعد انتهاء العقد الذي عوقب بسبب رفض تمديده. توخيل أيضاً كان السبب في الدفع بوجوهٍ شابة عدة في مستهل الموسم، والتي أثبتت أحقيتها في الوجود مع الفريق الأول، لكن مرة جديدة كان هناك تيار أقوى من أفكاره، فانكفأ مجدداً. ويرجّح أن يكون قائد هذا التيار المدير الرياضي البرتغالي أنتيرو هنريكه، الذي على ما يبدو يسعى لأن يكون صاحب الكلمة الأعلى في سياسة الانتقالات، والدليل أنه لم يحقق طلب المدرب باستقطابه لواحدٍ من لاعبي الوسط الثلاثة الذين وضعهم هدفاً له في سوق الانتقالات الشتوية لتعويض رابيو. يبدو الفريق الباريسي أشبه بتجمّعٍ للنجوم أصحاب الأرقام المميزة أكثر منه فريقاً جماعياً. لذا يبدو من السهل سقوطه أمام فريقٍ آخر يؤمن بروح المجموعة، تماماً كما حصل عندما أُقصي أمام اليونايتد، فكان الفصل الأول من النهاية الدراماتيكية للموسم الأسود على حدّ وصف إحدى الصحف الفرنسية، والتي ترى بأن الفوز بلقب الدوري لا يعني شيئاً، بل هو أمر روتيني بالنسبة إلى فريقٍ مثل PSG، والذي بات يحتاج إلى أكثر من تجميع النجوم لاستنهاض مشروعه قبل أن تظهر بوادر انهيار فني بعد الانهيار الذهني لدى عددٍ كبير من الحرس القديم بسبب رواسب قديمة، فكان بالتالي مسلسل الخيبات المتتالية.