تدهورت أوضاع طرابلس والسلام زغرتا أسبوعاً بعد آخر في الدوري اللبناني لكرة القدم، حتى وصلت بهما الحال ليقفا على مقربة من مركزَي الهبوط الى الدرجة الثانية. هي كارثة بالتأكيد بالنسبة اليهما في حال حصول هذا الأمر، وذلك في وقتٍ يرى فيه المراقبون ان احدهما قد يدفع الآخر الى دوري المظاليم في حال الفوز عليه في «الدربي» اليوم، الأمر الذي سيشكل خسائر لا تحصى ولا تعد بالنسبة الى الشمال، وطبعاً بالنسبة الى المنطقتين اللتين ينتمي اليهما الناديان.

الحديث هنا عن الدور الكبير لناديين يحملان اسم شريحة كبيرة من المجتمَعَين الطرابلسي والزغرتاوي، وناديين عكسا صورة طيّبة عن اهل المنطقتين في فترة من الفترات، والدليل فوز كلّ منهما بكأس لبنان وتمثيل الكرة اللبنانية في الخارج، حيث كانت المناسبة، لتطلّ فرق آسيوية على طرابلس وزغرتا، وتطل المنطقتان على عالم الكرة من زاوية جديدة.
طرابلس والسلام يؤدّيان دوراً أكثر من كروي في المنطقتين، اذ ان لوجودهما ابعاداً اجتماعية توازي الأهمية الكروية التي ينظر اليها جمهور كل منهما. واللافت في المواسم القريبة الماضية وامتداداً الى الموسم الحالي كانت تلك المواكبة الجماهيرية للفريقين، بعيداً من نتائجهما، حيث يشعر ابناء المنطقتين بارتباط معنوي باسم الفريقين الموجودين على هوية كل واحدٍ منهم.

طرابلس أمل المدينة
يعدّ نادي طرابلس احد اهم الأوجه الرياضية في المدينة الشمالية الكبيرة الى جانب نادي المتحد الذي ينشط في بطولة لبنان لكرة السلة، فهو النادي الوحيد من بين عددٍ كبير من الأندية تلعب في البطولات الرسمية الذي يمثّل عاصمة الشمال في الدرجة الأولى، وذلك بعد انكفاء عدة أندية طرابلسية تباعاً، من الرياضة والأدب وحركة الشباب، وصولاً الى الاجتماعي.
من هنا، في حال حصول السيناريو «البشع»، فان طرابلس ستخسر الكثير ومعها ناديها «الأم»، اذ ان هذا النادي تحوّل الى قبلةٍ للاعبين الصغار الذين اقتنع ذووهم بالمشروع انطلاقاً من وجود فريق في دوري الأضواء، حتى قيل ان النادي لم يعد يستوعب اعداد الصغار القادمين اليه للعب في صفوفه، فغصّت بهم فرق الفئات العمرية، وهم الذين يحملون طموحاً وحيداً: حمل اسم المدينة على قميصهم والسير على خطى مجموعة من ابناء مدينتهم الذين شقوا طريقهم من الفئات العمرية الى الفريق الاول.
إذاً هي مسألة انتماء بالدرجة الأولى، ولها تأثيرها الكروي ايضاً، والذي عرفته المنطقة عندما هبطت كل فرقها الى الدرجات الدنيا، حيث كان النزوح الكبير للاعبين بحثاً عن فرص افضل وعن اندية تمنحهم رواتب اعلى من تلك التي يمكن ان يتقاضوها في الدرجة الثانية، وطبعاً بحثاً عن الأضواء التي تُحصر غالباً بالدوري الأول في لبنان.
حالة تشرّد المواهب ربما تقل اهمية عن جانب اجتماعي آخر، وهو ان المدينة بحاجة الى نادٍ رياضي يجذب الجيل الصاعد اليه ويبعده عن مشاكل الشارع الذي عكس لسنوات طويلة صورة غير جيدة عن ابناء المدينة الشمالية المليئة بالمواهب الكروية.

أبعاد اجتماعية مهمة لوجود طرابلس والسلام في الدرجة الأولى


هذه المدينة في حال هبوط فريقها، فإنها ستفتقر الى فرص تأكيد صورتها الجامعة، اذ ان 11 فريقاً من مختلف المناطق يزورونها في كل موسم، وهو امر لن يحصل إذا ودّع الفريق الدرجة الأولى. ولهذه النقطة ايضاً تأثير سلبي للناحية التنموية، اذ ان العناية الخاصة بالملعب البلدي هو لسبب رئيس يتمحور حول تقديم صورة مشرّفة عن المدينة، وخصوصاً ان مباريات الدرجة الأولى تنقل تلفزيونياً، لذا قد يقلّص الهبوط الى الثانية، حيث الاهتمام الإعلامي اقل، الاعتناء بالملعب الذي يعدّ المساحة الخضراء التي تعكس وجهاً جميلاً عن ممثّل المدينة.
اما النقطة الأخطر، اذا ما سقط الفريق، فهو الاحتمال الكبير لعدم عودته او عودة اي فريق طرابلسي آخر الى الدرجة الاولى، ذلك ان الداعمين قد يبتعدون عن الاندية الكروية، وخصوصاً عندما يلمسون ان الدعم الذي قدّمه الرئيس نجيب ميقاتي طوال 10 سنوات، والذي فاق الـ 10 ملايين دولار ذهبَ هباء ومن دون اي افادة، فيفقدون الأمل بنادٍ كان دائماً أمل المدينة وشبانها من محبي الكرة.

زغرتا تجمع الشمال
اما في زغرتا، فلا يقلّ الوضع شأناً لناحية التأثير السلبي في حال هبوط السلام، ذلك ان هذا النادي، منذ إنشائه لملعبه في المرداشية، تحوّل الى نقطة تجمّع لا لأبناء المنطقة فقط، بل لكل أبناء الشمال. وهذا الأمر يبدو جليّاً من خلال تقاطر العديد من الشبان من طرابلس والجوار للعب مع السلام والدفاع عن الوانه في فرقه المختلفة.
وفي حال ظهور الكابوس في زغرتا، فإن استراتيجية النادي ستتأثر سلباً على مختلف الصعد، اذ ان السلام عمل منذ سنوات على تأسيس هيكلية تجعل من الفريق الاول المحطة النهائية لكل ما يعمل له. من هنا، كان انشاء اكاديمية على مستوى عالٍ، وتأمين كل مستلزماتها من مدربين محليين ومشرفين اجانب لترفيع لاعبين الى فريق الرجال، وهي مسألة ظهرت نتائجها الايجابية في فرق الفئات العمرية أولاً، ثم من خلال لاعبين بلغوا الدرجة الاولى.
إذاً اهمية السلام هي في خلق مساحة لأبناء زغرتا لتأكيد ارتباطهم بمنطقتهم، اذ ان غالبيتهم رفضوا العروض المقدّمة اليهم من اندية بيروتية وغيرها كونهم يرون واجباً في الدفاع عن الوان الفريق الذي يمثّل مسقط رأسهم. وهذه النقطة تحديداً، أي تأسيس فريقٍ زغرتاوي الهوية بشكلٍ كبير، جعل كل الأضداد في السياسة يقفون خلف النادي، متناسين اختلافاتهم بعيداً من المعشّب الأخضر، وهو امر اراح كثيراً النادي الذي سار بخطته من دون اي عوائق داخلية.
كما ان وجود لاعبين يحملون اسماء عائلات زغرتاوية في الفريق ساهم بشكلٍ كبير في التفاتة المهاجرين من ابناء المنطقة اليه، فقدّم الميسورون منهم دعماً مالياً على مدار السنوات الماضية، وهم بالتأكيد يفتخرون بوجود فريقٍ يمثّلهم في الدرجة الاولى ويستطيعون متابعة مبارياته أينما حلّوا في بلاد الاغتراب ما يشعرهم بارتباطهم بمسقط رأسهم بشكلٍ او بآخر، وهو امر لن يحصل في حال سقوط الفريق الى الثانية، حيث سيضعف الايمان بالنادي، ويتقلّص بالتالي الدعم الذي يحصل عليه، والذي يحمل اهمية كبيرة له كونه يؤّمن جزءاً لا يستهان به من ميزانية الفريق ومشاريع النادي.
باختصار، «دربي» الشمال اليوم يحاكي اسلوب حياة يمكن ان يتغيّر بالنسبة الى النادي الخاسر إذا واجه المصير الأسوأ، وهو امر لا يتمناه الطرابلسيون والزغرتاويون وحتى ابناء الشمال الذين لطالما افتخروا بأن لديهم ناديين قادرين على كسر سطوة الفرق البيروتية، ولو ان هذا الأمر حصل في مناسبات قليلة.

مباريات الجولة
في افتتاح الجولة ما قبل الأخيرة من بطولة لبنان لكرة القدم، فاز الأنصار على العهد البطل يوم الخميس الماضي بثلاثة اهداف دون رد، في مباراة لعب خلالها مدرب العهد باسم مرمر بعدد من اللاعبين الشباب.
وإضافة الى مباراة طرابلس والسلام، يلتقي اليوم النجمة مع الغازية على ملعب المدينة الرياضية، فيما يواجه نادي التضامن فريق الاخاء الاهلي عاليه. ويلعب الراسينغ مع الصفا وشباب الساحل مع البقاع الرياضي. تقام المباريات جميعها اليوم السبت عند الساعة 16.00 بتوقيت بيروت.