بدءاً من حضور التونسي إيهاب المساكني في الملاعب اللبنانية، ووجود مئات المشجعين في ملعب صيدا البلدي، حتّى ارتداء محمد حيدر قميص العهد للمرة الأولى، وكل ما ترافق مع صفقة انتقاله إلى النادي، وصولاً إلى بلوغ نصف نهائي كأس الاتحاد الآسيوي، والفوز على الزمالك المصري في البطولة العربية، ووضع الثقة بالمدرب باسم مرمر، والختام بالوصول إلى 46 مباراة في الدوري من دون خسارة. كُلها صورٌ لبطل لبنان في السنوات الخمس الأخيرة، شكّلت مراحل انتقالية للنادي بالدرجة الأولى، ولكرة القدم اللبنانية بالدرجة الثانية.

الفوز بثلاثة ألقاب دوري متتالية أمرٌ لم يفعله سوى الأنصار، الذي فاز بـ24 لقباً خلال 12 موسماً متتالياً. ومنذ الظفر بكأس لبنان عام 2003، أي قبل 16 عاماً، وضع العهد 23 كأساً في خزائنه، أكثر من أي نادٍ آخر.

تصميم علي فرّان

مراحل مفصلية عدة مرّ بها العهد، قد تكون أهمها تسلُّم تميم سليمان رئاسة النادي وما تبعها من استقرار مالي بالدرجة الأولى. جمهور النادي بات واثقاً من أن فريقه قادر على حصد الألقاب لمواسم كثيرةٍ مقبلة، وجماهير الفرق الأخرى تتخوّف من هذا الواقع.

المساكني وحيدر وما رافقهما
عبارة «الفوتبول اللبناني ما بطعمي خبز» انتهت مع انتقال محمد حيدر من الصفاء إلى العهد عام 2016. صفقةٌ كانت الأكبر للاعبٍ محلي ينتقل من نادٍ إلى آخر في لبنان، سبقها التعاقد مع زميله نور منصور في منتصف الموسم، بعد ضمّ التونسي إيهاب المساكني أيضاً. الأخير يُعدّ من بين أهم اللاعبين الأجانب، اسماً وموهبة، الذين لعبوا في البطولة اللبنانية، حتى ولو أن مشاركته كانت لموسمٍ واحد، لكن ما يُميّزه عن غيره، أنه كان نجماً حتى قبل تعاقد العهد معه، على عكس الكثير من الأجانب الذين لمع نجمهم في الدوري اللبناني. ومثل هؤلاء، لا يُمكن التعاقد معهم دون بدلٍ ماديٍّ كبير، وهو ما فعله العهد في الكثير من صفقاته التي أسهمت بهيمنته على الألقاب في السنوات الثلاث الأخيرة.
صفقة حيدر، بالتحديد، مهّدت لتغيير شكل سوق الانتقالات اللبنانية، فارتفعت أسهم اللاعبين اللبنانيين، وبدأت الأندية المنافسة بالبحث عن النجوم داخل لبنان وخارجه، حتّى تعاقد النجمة مع حسن معتوق وعباس حسن، وضمّ الأنصار عدنان حيدر وسوني سعد. مرحلةٌ انتقاليةٌ لكرة القدم المحليّة، ربما لم تكن لتُبصر النور لولا دخول تميم سليمان إلى اللعبة، بعدما سيطر ناديه السابق «السد» على كرة اليد، والأموال التي ضُخّت في النادي لها دورٌ كبيرٌ في ما حققه من ألقاب.

مدرب طوارئ وألقاب
بعد إقالة المدرب محمود حمود، أشرف المدرب باسم مرمر على الفريق الأول للعهد قبل تسلّم الألماني روبرت جاسبرت. خسر العهد لقبه في المباراة الأخيرة بمواجهة الصفاء، وأخفق في الظفر بكأس لبنان، قبل أن يخرج من نصف نهائي كأس الاتحاد الآسيوي. بقيَ المدرب الألماني على رأس الجهاز الفني لموسمٍ ثانٍ قبل إقالته، ليتسلّم مرمر مرةً جديدة، ويقود العهد إلى اللقب. انتهى الموسم، وبدلاً من تجديد الثقة بمرمر، عاد إلى حيث يُفضّل أن يكون، في فرق الفئات العمرية، لتتعاقد الإدارة مع موسى حجيج. النتائج السلبية في الدوري وما رافقها، أدّت إلى فسخ التعاقد مع الأخير، وتعيين مرمر مرة جديدة، ليقود فريقه إلى اللقب السادس، وبعده اللقب السابع، إلى جانب فوزه بكأس لبنان وكأس السوبر.
منذ الفوز بكأس لبنان عام 2003، أي قبل 16 عاماً، وضع العهد 23 كأساً في خزائنه


النتائج التي حققها مرمر في كفة، وطريقة قيادته للفريق في كفةٍ أخرى. على الرغم من كثرة النجوم، إلا أنه استطاع أن يوجد الاستقرار في الفريق، وأن يُعطي لكل لاعبٍ حقه في قائمته. ومبدأ المداورة لديه لم يكن كما غيره. كُثرٌ في الداخل العهداوي يرون أن مرمر لا يعمل بالطريقة التي تناسبه في الكثير من الأحيان. الشباب أولوية بالنسبة إلى المدرب الصاعد من فرق الفئات العمرية الذي أسهم بفوز العهد بالألقاب لاعباً أيضاً، لكن طريقة إدارة النادي فرضت عليه تغيير أسلوب العمل. حلم الفوز بكأس الاتحاد الآسيوي يحتاج إلى النجوم «الجاهزين»، ولهذا اختلف شكل العهد عن السنوات الماضية على صعيد وجود اللاعبين الشباب في الفريق، لكن مرمر لا يزال يحاول أن يُعطي الفرصة للاعبين الذين يُشاركون بين مباراةٍ وأخرى.

الاستقرار مفتاحٌ للنجاح
قد يكون هذا الموسم المثال الأفضل لمقارنة الاستقرار داخل نادي العهد والأندية الأخرى. والنادي، ليس فريقاً، وهو لا ينحصر بمجموعةٍ من اللاعبين وجهازٍ فني، بل يمتد إلى الإدارة والفئات العمرية وكيان النادي عموماً. النجمة عانى الأمرّين على صعيد الإدارة، ومشكلاته المالية كُشفت إلى العلن، ووصلت إلى حد تدخّل الجمهور مباشرةً بقضايا لا تخصّه، الأمر الذي أسهم في زعزعة الاستقرار وكاد أن يؤدّي إلى رحيل نجم الفريق حسن معتوق قبل انطلاق الموسم، فيما كان الأنصار قريباً من تغيير رئيسه وبعض إدارييه. كل هذه المشكلات لا تخرج من العهد، ولو أن الاختلاف في وجهات النظر، وبعض الأمور المالية العالقة، لا تغيب عن النادي، لكنها تبقى داخل جدرانه.
رفض محمد حيدر لعرض الانتقال إلى بطل كأس الاتحاد الآسيوي القوة الجوية العراقي، وتفضيل ربيع عطايا العهد على الأنصار والنجمة والعروض الاحترافية، وبقاء نجوم الفريق ضمن صفوفه، أسبابها تعود إلى الاستقرار المالي في النادي، وهو ما يبحث عنه اللاعب اللبناني بالدرجة الأولى. فالانتقال إلى الاحتراف بالنسبة إلى لاعبي الدوري المحلّي، يأتي بغية الحصول على عقودٍ ماليةٍ أكبر، وإذا توافر هذا الأمر في لبنان، يُصبح الاحتراف الخارجي «وجهة نظر».

شخصية بطل
بعد آخر خسارة للعهد أمام النجمة ضمن بطولة الدوري على ملعب صيدا البلدي عام 2014، أشار المهاجم التونسي إيهاب المساكني إلى أن بعض زملائه صُدموا بحجم جمهور الفريق المنافس، الأمر الذي أسهم في خسارة الفريق. بين تلك المباراة واليوم، تغيّرت شخصية العهد، الذي ارتدى ثوب البطل وتصرّف مع منافسيه، محليين كانوا أو أجانب، على أساس أنه الفريق الأفضل على أرض الملعب. لم تعد الجماهير المنافسة تفرض الضغط على لاعبي العهد كما السابق، غالباً، لأنهم عوّدوا أنفسهم هذا الضغط، وتعاملوا مع الجماهير، النجماوية خاصةً، على أساس عدم الرهبة، إلى جانب ازدياد عدد جماهير النادي أيضاً، التي وصلت إلى المرتبة الثالثة من حيث عدد الحضور في الملاعب، بعد النجمة والأنصار.