تركيز كبير على عنوان مباراة احتفالية في الصحافة الأوسترالية. البعض يتحدث عن الأجواء المرتقبة لتكريم الهداف التاريخي للمنتخب الأوسترالي تيم كايهل، والبعض الآخر يركّز على اللقاء العاطفي المرتقب بين الأوستراليين من أصل لبناني ومنتخب بلادهم الأم. لكن الواقع أن أبعاد المباراة الودية التي ستجمع منتخبي أوستراليا ولبنان تحمل أهمية أكبر بكثير من مجرد مباراة وديّة تحديداً بالنسبة إلى المنتخب اللبناني الذي سيواجه منتخباً عالمياً بكل ما للكلمة من معنى.

فنياً، تبدو أهمية هذه المباراة كبيرة جداً من حيث الإفادة للمنتخب اللبناني، إذ إن كل المباريات التي خاضها منذ بداية مشوار الاستعداد لكأس آسيا - الإمارات 2019، لا يمكن مقارنتها بما ينتظرهم في مواجهة «السوكروس». منتخبٌ أوقياني النشأة، آسيوي الهوية، و«بريطاني» الهوى. هذا هو باختصار منتخب أوستراليا الذي تحوّل إلى «بعبع» في القارة الآسيوية منذ انضمامه إلى عائلاتها مطلع عام 2006، وبعد موافقة الاتحادين الآسيوي والدولي على تركه للقارة الأوقيانية في السنة التي سبقت العام المذكور.
وقتذاك عرف الآسيويون أن منتخباً مرعباً سيأتي ليزعجهم ويأخذ من أمامهم الألقاب والأماكن المحجوزة عن القارة الصفراء إلى كأس العالم. كيف لا والمنتخب الأوسترالي ضمّ وقتذاك أسماء لها ثقلها على الساحة الأوروبية، أمثال الحارس مارك شفارتزر، والمدافع لوكاس نيل، ولاعب الوسط هاري كيويل، والهداف المعروف مارك فيدوكا، وطبعاً المهاجم المخضرم تيم كايهل. بعدها تنفّس أبناء آسيا الصعداء مع فشل أوستراليا في تخطّي الدور ربع النهائي لكأس آسيا 2007، لكنهم عادوا ليشعروا بالخطر في النسخة التي تلت مع احتلالهم الوصافة، قبل أن يحتلوا العرش الآسيوي في النسخة الأخيرة عام 2015.
هذا يعني أن منتخب لبنان سيواجه بطل آسيا، والمنتخب الذي لم يغب عن كأس العالم في نسخها الأربع الأخيرة، والمنتخب المتجدد دائماً بأسماء تثير اهتمام الأندية الأوروبية التي تتهافت لضمّها انطلاقاً من تجارب سابقة مع لاعبين أوستراليين أصابوا النجاح الكبير في «القارة العجوز»، وإن كانت تجارب «ناشئة»، وأقل من تجارب اليابانيين والكوريين.
كل هذا يضع منتخبنا أمام لقاءٍ صعب، لكنه مفيد بلا شك، إذ كما هو معلوم فإنه لرفع مستوى أيّ منتخب يجب مواجهة منتخبات أعلى ولديها قدرات أكبر، ما يزيد من خبرة اللاعبين، ويحضّرهم بدنياً وذهنياً للمواجهات الصعبة في المناسبات الكبيرة. هو الأمر الذي تفعله بالمناسبة غالبية المنتخبات التي تستعدّ لكأس آسيا، وعلى رأسها السعودي والقطري اللذان سيلعبان في نفس المجموعة مع لبنان، إذ خاض «الأخضر» أخيراً ودّيّة مع البرازيل، وفاز «العنابي» في آخر مواجهتين له مع منتخبين معروفين هما الإكوادور وسويسرا.
وما يفترض التوقف عنده هو شكل وصورة المنتخب الأوسترالي المختلفة إلى حدٍّ ما عن غيرها من النسخات السابقة، ولو أن أحد المدربين التاريخيين في الكرة الأوسترالية أي غراهام أرنولد هو من يشرف على «الأخضر والذهبي» في الوقت الحالي. تشكيلة يخوض لاعبوها تجارب احترافية في مدارس كروية مختلفة، ما يعكس تنوّعاً ثقافياً على صعيد مقاربة المباريات. هي مسألة صعبة منطقياً على أرنولد لإرساء الانسجام بين لاعبيه، لكنها المهمة أنها ستترك انعكاسات فنية من نوعٍ آخر للاعبي منتخبنا، الذين سيواجهون لاعبين ينشطون في اليابان حيث الانضباط التكتيكي، ولاعبين يخوضون غمار الدوري الهولندي والدوري الاسكوتلندي والدوري الألماني حيث تحضر القوة الالتحامات البدنية قبل أي شيء آخر لكي يؤمّن اللاعب نجاحه على المستطيل الأخضر. كما سيواجهون عناصر تنشط في انكلترا حيث الأفكار الخلاّقة والفلسفة الكروية الاستثنائية.

مواجهة ضرورية لمنتخبنا الذي يقع في مجموعة واحدة مع قطر والسعودية


هي مسائل مهمة لا شك في أنها ستؤمّن للاعبي لبنان جرعة خبرة يصرفونها في كأس آسيا، لكن أوّلاً عليهم أن يتحلّوا بالشجاعة والإيمان بالنفس بإمكانية الخروج بنتيجة إيجابية من المباراة، إذ إن اللقاء الوحيد للبنان مع أوستراليا في عام 2012 على ملعب صيدا البلدي، يعيد إلى الذاكرة صورة منتخبٍ مربك أمام ضيفٍ حمل كل نجومه إلى الأراضي اللبنانية باحثاً عن وديّة يستفيد منها، لكنها حملت فوزاً روتينياً في نهاية المطاف (3-0). وقتذاك وفي لقاء مع كايهل (في منزل السفير الأوسترالي ليكس بارتلم في بيروت) صاحب أول الأهداف الثلاثة التي هزّت الشباك اللبنانية (سجّل الهدفان الآخران مات ماكاي وآرشي طومبسون)، قال هداف إفرتون الإنكليزي في تلك الفترة: «شعرت بموهبة اللاعبين اللبنانيين على أرض الملعب من خلال لمسات غالبيتهم، لكنهم لم يتمكّنوا من إخراجها، وكأن أحدهم كبّل أقدامهم. ربما كانت فكرة المواجهة صعبة عليهم».
اليوم وبعد سنوات من النجاحات التي حصدها منتخبنا، وبعد وصول كايهل إلى الـ 38 من العمر وإلى نهاية المشوار الدولي مع المنتخب الذي صنع معه مجده، ربما هي فرصة لإخراج ما بقي دفيناً لسنوات وإفساد وداعية الهداف التاريخي لأوستراليا، وتذكير تلك الجالية الكبيرة في أبعد بلدان الكرة الأرضية بأن هناك شيئاً يستحق العودة من أجله إلى «بلاد الأرز».



المهاجم «الملاكم» يقول وداعاً
تيموثي «تيم» فيليغا كايهل. هو الاسم الكامل لمهاجمٍ احتل العناوين غالباً في كل مباراة للمنتخب الأوسترالي حتى تحوّل الهداف التاريخي له بـ 50 هدفاً سجلها خلال 107 مباريات دولية، سيخوض آخرها أمام لبنان في احتفالية وداعية لمشوار دولي طويل وناجح.
وعلى غرار العديد من لاعبي منتخب أوستراليا حالياً الذين تعود أصولهم إلى بلدانٍ غير البلد الذي يمثّلونه، ولد كايهل في سيدني من أبٍ انكليزي متحدّر من أصولٍ إيرلندية، ووالدة من جزر ساموا، لذا كان من الطبيعي أن يشعر بفائض قوة بدنية عند ممارسته للرياضة، وتحديداً كرة القدم حيث تم تشجيعه لممارستها دون سواها بسبب ظهور موهبة لافتة لديه فيها، وهو الذي نشأ في كنف عائلة تهوى الركبي والتي احترفها ثلاثة من أبناء أعمامه، واثنان من أبناء أخوته، إضافة إلى أقارب آخرين، بينما ذهب شقيقه كريس ليحمل شارة قيادة منتخب ساموا للفوتبول.
وبين القارة الأوقيانية حيث كانت البداية، ونظيرتها الأوروبية حيث لمع مع إفرتون الانكليزي، ومن ثم الأميركية بدفاعه عن ألوان نيويورك ريد بولز، وبعدها الآسيوية حيث لعب في الصين وينشط حالياً في الهند، عُرف كايهل بشراسته على أرض الملعب في مواجهته للمدافعين، وبالألعاب الهوائية والرأسية التي تميّز بها.
وكايهل الذي بدأ مشواره الدولي مع «السوكروس» عام 2004 وأنهاه في تموز الماضي، يعدّ من صنّاع تاريخ الكرة الأوسترالية، فهو كان صاحب أول هدفٍ أوسترالي في نهائيات كأس العالم، وهو خطّ إنجازاً سيكون من الصعب على أي لاعبٍ من بلاده تخطّيه، أقله في وقتٍ قريب، إذ سجّل في ثلاث نسخات مونديالية (2006، و2010، و2014) بمجموع 5 أهداف، علماً أنه شارك في المونديال الأخير كبديل في المباراة أمام البيرو. كما أصبح في عام 2007 أول أوسترالي يسجّل في نهائيات كأس آسيا، واشتهر باحتفاله بأهدافه من خلال لكم علم «الكورنر» على طريقة الملاكمين المحترفين.


أندرو نبّوت: اللبناني أمل أوستراليا
منذ إعلان المدير الفني للمنتخب الأوسترالي غراهام أرنولد تشكيلته التي ستواجه لبنان، كان اسم المهاجم أندرو نبّوت الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام المحلية.
ابن الـ 25 عاماً المولود في مدينة ملبورن استحوذ على الاهتمام في كرة القدم الأوسترالية منذ فترة غير قصيرة، فأصبح أهم أركان منتخب بلاد «الكانغارو»، رغم أنه لم يحمل إليه حتى الآن في مشواره الدولي القصير أي إنجازات يمكن التوقف عندها. نبوّت ابن لأبوين لبنانيين يرى فيه الأوستراليون الخليفة الذي سيتسلم الشعلة بعد وداع تيم كايهل، فيضعون الآمال عليه لقيادة أوستراليا إلى لقبٍ قاري آخر بعد أشهرٍ قليلة، ولهذا السبب ربما أصرّ أرنولد على إبقائه ضمن خياراته حتى عند ابتعاده عن المباريات بسبب الإصابة. بداية مهاجم أوراوا ريد دايموندز الياباني مع «السوكروس» كانت في آذار الماضي حيث لعب أولى مبارياته الدولية احتياطياً أمام النروج، قبل أن يحجز مكاناً في التشكيلة الأساسية للمباراة التي تلتها أمام كولومبيا، حيث قدّم أداءً ممتازاً في مركز الجناج الأيسر، الأمر الذي دفع المدرب الهولندي بيرت فان مارفيك لاختياره ضمن التشكيلة الأوليّة لكأس العالم 2018، والتي تمّ تقليصها من دون أن يسقط اسم نبوّت منها، ليبدأ رحلة الاستعداد المونديالية ويبرز خلالها وتحديداً عندما سجل هدفاً في المباراة الودية أمام تشيكيا (4-0)، وهو هدفه الوحيد حتى الآن في 6 مباريات دولية. أداء منحه شرف المشاركة في المونديال لا بل إنه بدأ أساسياً في اللقاء الذي جمع بين منتخب بلاده وفرنسا التي توجّت باللقب لاحقاً. أما قصة نبّوت مع لبنان فهي لا تحمل ذكريات طيّبة، إذ قبل 5 أعوام أرسل الاتحاد اللبناني لكرة القدم كتاباً عبر البريد الإلكتروني إلى نادي ملبورن فيكتوري يسأل فيه عن إمكانية استدعاء اللاعب إلى المنتخب الوطني، لكن الجواب كان سلبياً من قبل اللاعب نفسه الذي قال عامذاك إنه يؤمن بحظوظه للعب مع منتخب أوستراليا، وهو الذي يتحدث «اللبنانية» بطلاقة ولديه عاطفة تجاه بلاده الأم التي زارها مراراً بحسب ما ردّد في أكثر من مناسبة.