نابولي | ما إن أطلق الحكم الاسكوتلندي هيو دالاس صافرة ختام المباراة النهائية لكأس الاتحاد الأوروبي عام 1999 في موسكو، حتى انطلقت الأفراح في مدينة بارما التي كانت تعيش أحلى أيامها الكرويّة وقتذاك. عامذاك أحرز بارما لقبه الرابع أوروبيّاً ليصبح من أفضل الفرق تمثيلاً لإيطاليا قاريّاً خلف ميلان ويوفنتوس وإنتر.


بعد تلك الليلة الروسيّة الجميلة، لم تتوقف طموحات جمهور الفريق الأزرق والأصفر عند هذا الحدّ، بل كان يحلم بأن يكرّس فريقه نفسه رقماً صعباً على خريطة كرة القدم الأوروبيّة. لم يُدرك الجمهور حينها أن سياسة مالك نادي بارما كاليستو تانسي ستحول الأحلام الى كوابيس في غضون سنوات قليلة، اذ تبيّن ان بارما لم يكن سوى واجهة لنشاطات ماليّة غير شرعية يقوم بها مالكه! هذا الأخير كان يرأس شركة «بارمالات»، الشهيرة في مجال صناعة الألبان ومشتقّاتها، وكانت تُعاني من تراكم الديون، لكنه استطاع رغم ذلك الحصول على قروض ماليّة بمساعدة بعض السياسيين، فحوّلها إلى شركة مساهمة وطرحها في البورصة. لاحقاً، اشترى نادي بارما وبدأ بضخ الملايين في سوق الانتقالات. باتت هذه المدينة الصغيرة مقصداً للنجوم واللاعبين الذين يطمحون الى الفوز بالألقاب. لم تكن تلك التعاقدات والإنجازات سوى ضمانة تثبت أن «بارمالات» تملك السيولة ووضعها المالي ممتاز، ما يساعد تانسي في الحصول على مزيد من القروض كونه يملك واحداً من أفضل أندية إيطاليا. بعدها بسنوات وتحديداً في عام 2003، تمّ فضح تانسي وكُشفت إحدى أكبر عمليات الاحتيال التي هزّت إيطاليا وأوروبا وعُوقِب على أثرها بالسجن. كانت هذه الحادثة بمثابة الصفعة التي أفاقت جماهير بارما من حلمها الجميل وقضت على الأيام الورديّة التي عاشتها. لكنّ أكثر المتشائمين منهم لم يتوقع أن تصل الأمور إلى ما هي عليه الآن، اذ بعد ثلاثة مواسم على كارثة «بارمالات»، اشترى رجل الأعمال الشاب توماتسو غيراردي النادي. في البداية، لم يحقق الفريق الكثير، فكان من فرق وسط الترتيب، حتى إنه سقط إلى الدرجة الثانية لموسمٍ واحد، إلى أن عيّن روبرتو دونادوني مدرباً في موسم 2011-2012، حيث بدأت الأمور بالتحسن تدريجاً ليبلغ الفريق بعدها مسابقة «يوروبا ليغ»، فكانت بمثابة المكافأة لجمهور حُرم من رؤية فريقه قاريّاً لسبعة مواسم متتالية.


سيتم حل بارما
وتغيير اسمه ليبدأ مجدداً من دوري الهواة


لكنّ المحظور وقع. وكأنّ النادي بات على موعدٍ مع المشاكل والأزمات الماليّة. فانتهى الموسم ورفض الاتحاد الإيطالي منح بارما رخصة اللعب في أوروبا بسبب عدم دفعه ضرائب بقيمة ٣٠٠ ألف يورو، عن عشرة من لاعبيه المُعارين. لكن من جديد، ما خفي كان أسوأ، اذ حين قام الاتحاد الأوروبي بالتدقيق الماليّ في كشوفات النادي، تبيّن له أنّ بارما كان يُخفي مشاكله الماليّة وأنّ الأمور أسوأ بكثير مما كان متوقّعاً. وربما كان الوضع المالي لغيراردي وراء اتخاذه هذا القرار في ظل الضائقة الماليّة التي يمر بها، فقرّر التنحي وبيع النادي في بداية الموسم الحالي، وهو ما نجح بفعله في كانون الأول الماضي، ليستبشر المشجّعون خيراً مع وصول مستثمرين أجانب.
مالكو النادي الجُدد اكتشفوا أنّ قيمة ديون النادي هي ٢٠٠ مليون يورو تقريباً، وهو رقم كبير بالنسبة الى نادٍ صغير مثل بارما، فباعوه في شهر شباط لمستثمرين إيطاليين وتمّ تعيين جامبييترو مانينتي رئيساً. هذا الأخير صرّح بأن قيمة شراء بارما كانت مقابل يورو واحد فقط. وفي ظل وصول العجز الماديّ إلى وجود ٤٠ ألف يورو في خزائنه، أعلن النادي أنّه ليس لديه ما يكفي لسداد بدلات الكهرباء ورواتب موظفي الأمن وسيارة الإسعاف حتى نهاية الموسم، لذا طلب اللعب من دون جمهور في مباراته أمام أودينيزي لعدم قدرته على دفع رواتب موظفي أمن ملعب إينيو تارديني، وقد رفض اللاعبون والاتحاد الإيطالي هذا الطلب وتأجلت المباراة وكذلك المباراة التالية أمام جنوى. ووصلت الأمور إلى حدّ بيع باص الفريق الخاص وسياراته وحُجِزت مقاعد الاحتياط وأثاث غرف الملابس وتقرّر بيعها في المزاد انطلاقاً من مبلغ ٥ آلاف يورو. هذا الوضع المأسوي لم يسلم منه فريق الشباب، فخرج مدربه وهداف الفريق السابق الأرجنتيني هرنان كريسبو ليقول إنّ لاعبيه يستحمّون بمياه باردة لعدم وجود الكهرباء لتشغيل السخّانات.
تبدو أمور بارما شبه منتهية حاليّاً، سيُكمل الفريق الموسم، لكن محكمة المدينة أعلنت أفلاسه، ما قد يعني حلّه وتغيير اسمه ليبدأ من جديد في دوري الهواة باسمٍ مختلف إلّا في حال بيعه لمستثمرين جُدد، وهو أمر مستبعد لاعتبارات عدة. أوّل هذه الاعتبارات أن قيمة ديونه كبيرة جدّاً بالنسبة إلى فريقٍ صغيرٍ بمداخيل وعائدات محدودة. ثانيها، لأنّه ليس نادياً جذّاباً وله شعبيّة كبيرة كميلان أو يوفنتوس أو إنتر، وبالتالي لا يصلح للاستثمار ووضع خطّة للنهوض به لأنّ نجاح هذا الأمر غير مضمونٍ على الإطلاق.
نهاية نادٍ شجاع، إذ يبدو أن بارما سيبقى فقط في قلب محبّيه وذاكرتهم.