لا يقف التناقض بين مدينتي برشلونة ولا كورونيا على أنهما تتقابلان في الجغرافيا حيث تقع الأولى في الشمال الشرقي لإسبانيا على ضفاف البحر المتوسط والثانية في الشمال الغربي على ضفاف المحيط الأطلسي، أو على المناخ حيث تتميز الأولى بطقس متوسطي دافئ مقارنة بالثانية التي تعتبر الأكثر غزارة بالأمطار وشدة في العواصف في البلاد، بل إن فريق المدينة الأولى الأشهر «البرسا» شهد بداية حقبته الذهبية الأخيرة في عام 2004 أي في الفترة عينها تماماً التي بدأ فيها أفول نجم فريق المدينة الثانية الأشهر ديبورتيفو لا كورونيا.


هل تذكرون ديبورتيفو لا كورونيا أو «الديبور»؟ بالتأكيد كثيرون لا يزالون يحنّون إلى فترة تألق هذا الفريق المتواضع في المدينة الصغيرة وبروزه على الساحتين الإسبانية والأوروبية منذ بداية التسعينيات حتى منتصف العشرية الأولى من الألفية الجديدة.
من يمكن أن ينسى لا كورونيا الذي قدّم نجوماً أفذاذاً للعبة في تلك الفترة، وما أكثرهم، من الإسبان خوان فاليرون ودييغو تريستان وخوليو ساليناس، إلى البرازيليين بيبيتو وريفالدو ودجالمينيا وماورو سيلفا، إلى المغربيين نور الدين نايبت ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، إلى البلغاري إميل كوستادينوف وليس انتهاءً بالهداف الهولندي روي ماكاي؟
من يمكن أن ينسى لا كورونيا الذي قدم كرة مميزة في إسبانيا وأوروبا خلال تلك الفترة، بحيث ظل منافساً على لقب «الليغا» وتمكن من حصده موسم 1999-2000 ووصل إلى نصف نهائي «التشامبيونز ليغ» موسم 2003-2004 بعد تخطيه يوفنتوس الإيطالي في دور الـ 16 وإطاحته مواطن الأخير ميلان في ربع النهائي بعد خسارته ذهاباً في ملعب «سان سيرو» 1-4 وفوزه إياباً في ملعبه «ريازور» 4-0، في مباراة كشف النجم السابق لـ «الروسونيري» والحالي لـ»اليوفي»، أندريا بيرلو، العام الماضي في كتاب سيرته الذاتية أنه اعتقد فيها للمرة الأولى والوحيدة في مسيرته أن لاعبي الفريق الخصم تناولوا منشطات، وذلك لشدة قوتهم؟

يحتل لا كورونيا
حالياً المركز الـ 16 في «الليغا» بعد صعوده من الدرجة الثانية


لكن ديبورتيفو لا كورونيا يعيش الآن على أنقاض هذه الذاكرة الجميلة. قست عواصف المدينة على فريقها في الأعوام الأخيرة وأطاحته بعيداً إلى الضفة المقابلة لهذه الذاكرة حتى بات خارج كل المعادلات والحسابات، حتى أصبح في طيّ النسيان.
حال لا كورونيا لا يسرّ حالياً الأعداء قبل الأصدقاء، إذ إنه يحتل المركز السادس عشر في ترتيب «الليغا» هذا الموسم بفارق نقطتين فقط عن آخر مركز هبوط للدرجة الثانية التي تذوّق مرارتها مرتين في السنوات الأخيرة موسمي 2011-2012 و2013-2014، بعد أن اعتقد محبوه أنه تخلّص من عقدتها، باعتباره كان مرتادها الدائم قبل ثورته في بداية التسعينيات. وللتذكير، فقد لقي خسارة مذلة على ملعبه من ريال مدريد هذا الموسم 2-8 بعد أن كان أكثر من يذيقه الأمرّين خلال فترة تألقه.
ولعل واقع «الديبور» الحالي يقودنا إلى علّة هذه اللعبة الدائمة، وهي المال الذي يتحكّم بمفاصلها. إذ إن السبب الرئيسي في انحدار الفريق إلى هذه المرتبة بعد وصوله إلى القمة هو العنصر المالي، وتحديداً لناحية الارتفاع الهائل في أسعار اللاعبين في سوق الانتقالات، وهذا ما لم يكن عليه الحال في الفترة التي كان فيها لا كورونيا يتعاقد مع هذا النجم أو ذاك. وترافق ذلك مع تراجع ضخّ الرئيس الشهير للنادي، أوغوستو سيزار ليندويرو، للأموال في عروق «الديبور» بعد مشاكله القضائية، وصولاً إلى تسليمه مقاليد الحكم في 2013 لتينو فيرنانديز بعد 25 عاماً في سدة الرئاسة. ففي حقيقة الأمر، فإن ديبورتيفو لا كورونيا، الفريق المغمور قبل مطلع التسعينيات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً برجل الأعمال ليندويرو الذي ينتمي إلى فئة الرؤساء أصحاب «السيجار» في المدرجات أمثال الرئيس الشهير السابق لأتلتيكو مدريد، الراحل خيسوس خيل. كذلك، قدّم ليندويرو «دجاجة تبيض ذهباً» لـ»الديبور»، ألا وهي وكيل الأعمال الشهير ومهندس كبرى الانتقالات، البرتغالي جورجي منديش، عندما تعرّف إليه في عام 1996 وفتح له الباب لباكورة صفقاته في مسيرته بنقله مواطنه الحارس نونو من فيتوريا غيماريش في بلاده إلى لا كورونيا.
وبالطبع فأن يتراجع ليندويرو في نشاطه، ومن ثم يتنحى تماماً عن مهماته، فإن ذلك لا يعني انتهاء حقبة ذهبية في تاريخ النادي فحسب، بل اندثارها إلى غير رجعة.
من المؤسف حقاً الحال الذي وصل إليه ديبورتيفو لا كورونيا والذي تضرر منه طبعاً الدوري الإسباني بخسارته أحد الفرق المنافسة. ثمة حيّز من ذاكرتنا الكروية القريبة كتبها هذا الفريق بخط جميل، ويجدر بنا، على الدوام، أن ندين له بالكثير.