منذ زمن بعيد، حين كان ميشيل سابا طفلاً متفوّقاً في مدرسته الواقعة في قلب لواء إسكندرون، وقف ليغنّي بفرنسية سليمة أغنية «أنا طفل صغير»، فيصفّق له الحاضرون ويهديه القيّمون على المدرسة أوّل كُرة حقيقية امتلكها. سرعان ما سقطت الكُرة في نهر العاصي وضاعت منه أثناء اللعب، كما يذكر جيداً. مرارة ذاك الضياع الأول قد تشبه ضياع بلد. ميشيل سابا اللوائي الأصيل، أضحى اليوم «شاباً في الرابعة والتسعين»، كما يصفه من يعرفونه، وقد حقق ما يسمح له بأن يكون سفيراً مشرّفاً لمدينته الأم، أنطاكيا.


وُلد سابا في العام 1926، في بيت عربي واسع وسط أنطاكيا، لوالد يعمل في تجارة الأقمشة، فيما نالت والدته تعليمها في بيروت، فأجادت الفرنسية وفن الخياطة والتطريز، ما جعل منزلها محجّاً لنساء أنطاكيا والجوار. يروي ذكرياته، ويشير من بينها إلى أن الشاعر الكبير سليمان العيسى كان زميل دراسته في الطفولة. عاصر سابا مرحلة إيفاد لجنة تقصّي الحقائق، واستفتاء العام 1937، الذي خرج بنتائج تقول إن عدد متكلمي اللغة التركية في اللواء لا يتجاوزون 36%، والباقون عرب. شارك الرجل في التظاهرات التي أقامها سكان اللواء، أمام اللجنة الموفدة. وباعتراض تركيا على النتائج جرى تأليف لجنة أخرى في العام التالي، ما أفضى إلى اتفاق بين تركيا وسوريا الخاضعة للانتداب الفرنسي، يقضي بحكم تناوبي سنوي بين الدولتين للواء إسكندرون. عايش سابا فكرة دراسة 4 ساعات أسبوعية للغة التركية في مدرسته، قبل أن يشهد لاحقاً دخول الجيش التركي إلى أنطاكيا واحتلالها وإنهاء الاتفاق السابق. كان أفراد عائلة سابا، أسوة ببقية اللوائيين، أمام خيارين مفروضين: إما البقاء في الأرض والحصول على الجنسية التركية، بما يترتّب على ذلك من واجبات المواطنة وخدمة العلم، أو الحفاظ على جنسيتهم والخروج من أرضهم. انسلخت عائلة سابا عن أرضها، ومضت في تغريبتها إلى دمشق، وقد خسرت الرزق، كما انسلخ لواء إسكندرون عن سوريا.
يروي سابا مشاهداته عن إخراج الأرمن من أنطاكية بالقوة، عبر وضعهم في شاحنات وإرسالهم جنوباً نحو عنجر اللبنانية، وعن منع إخراج الأملاك النقدية ممّا صار اسمه التركي «دولة هاطاي». يتحسّر حتى اليوم على أنطاكيا التي يعتبرها «جنة العلم والوطنية والجغرافيا والتاريخ»، وتعني له الجزء الحميم من سوريا الذي لا يعوّض أبداً، إذ انطلقت منه العلوم والآداب والدين المسيحي. كان هم عائلة سابا الأول استكمال تعليم الأولاد الأربعة، وهو ما تمّ فعلاً، بدءاً من مدرسة الآسية، التي يذكر منها تعلم الانكليزية على يد المدرّس الأشهر في دمشق يوسف وهبة، وصولاً إلى حصول سابا على شهادة الصيدلة من جامعة دمشق عام 1949. ومع إعلان الجيش حاجته إلى صيادلة وأطباء، تطوّع سابا في الجيش، ليوفد لاحقاً إلى الولايات المتحدة، ويبقى فيها حتى حصوله على شهادة ماجستير في اختصاصه، ثم يعود إلى دمشق ويعمل في مخبر مستشفى المزة، فيتوسّع به وينظّمه. عمل سابا على ما سُمّي «هيئة المخابر العسكرية»، كما أسّس هيئة المخابر السورية العامة، التي اعتبرت بمنزلة نقابة لرؤساء المخابر، فأصدرت دستوراً لتنظيم المهنة، وجرى تنسيب الأعضاء إلى المؤتمر الدولي العام للمخابر الدولية، باشتراك سنوي. أسّس سابا مخبراً خاصاً مع الدكتور الفلسطيني أسامة النقيب، في ساحة المحافظة سنة 1958. عمل الرجلان معاً طيلة 55 سنة، حتى وفاة النقيب، ولا يزال المخبر قائماً حتى الآن. حافظ سابا على صحته العامة، رغم العمليات الجراحية العديدة التي خضع لها، عبر الاهتمام بلياقته ووزنه. كذلك حافظ على صحته العقلية والفكرية بالقراءة، ولا سيما كتب السياسة الاجتماعية والحضارات.