فيما ينشطُ سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، متفاعلين مع الأحداث اليومية، ولا سيما الاقتصادية منها، يلتزمُ سوريون آخرون (كُثُر) الصمت، من دون التعليق على هذه الأحداث، أو المشاركة في هذا «العرس الوطني» الافتراضي. طبعاً، تختلف أنماط الشخصيّات، فبعضها صارخٌ متكلم، للتعبير عن دواخله، وبعضها الآخر هادئ، صامت، يعبّر عن مكنوناته بطريقة غير كلامية. لكن ــ ووفقاً لنظرية الصمت ــ فإن فريق الصامتين قد يتزايد يوماً إثر يوم، رغم تعدّد الأسباب التي تدفعُ إلى الكلام أو حتى الصراخ.

في العام 1974، طوّرت الباحثة الألمانية إليزابيث نويل «نظرية الصمت»، وعبّرت عنها بما تفعله وسائل الإعلام في مجتمع ما، حين تتبنّى آراءً محددة في حادثة أو أزمة أو قضية معينة، ما يدفع الجمهور أو الرأي العام إلى تبنّي ما تطرحه وسائل الإعلام. أما الشرائح التي تقف في جهة معارضة لتلك الآراء، فتتخذ موقف الصمت، خوفاً من اضطهاد «رأي الأغلبية». لذلك، في النهاية يتشكّل رأيٌ واحد، يطغى على «الرأي العام»، وتعود وسائل الإعلام إلى تبنّيه مرة أخرى، وهكذا يبقى الرأي السائد هو الرأي المتبادل بين الأغلبية الناطقة، ووسائل الإعلام المتعددة!
يبدو جلياً أن هذه النظرية مُطبّقة في الحالة السورية، مع بعض التعديلات. ورغم تحول منصّات التواصل الاجتماعي إلى حواضن للأصوات التي تنتقدُ الواقع الاقتصادي المزري، والحالة الخدمية المتراجعة، فإن رصداً بسيطاً يشي بتزايد أعداد الصامتين، لا المتكلمين! نتواصل مع بعض الصامتين، ممن اعتادوا الكلام سابقاً، مستفسرين عن صمتهم غير المعهود. تأتي الإجابات مُتشابهة، لكن مفادها في المُجمل «ما الفائدة من الكلام؟ وماذا لو تكلّمنا، وماذا سنتكلّم؟!». «قد تكون هذه وجهة نظر مُتشائمة إلى حدّ ما، لكنها واقعية أيضاً»، يقولُ أحدهم. «تكلّمنا حتى انتهت باقة الإنترنت»، يقول آخر، ساخراً. ويضيف ثالث بتهكّم: «الصمت أصاب الحكومة، والعدوى انتقلت إلينا»، فيما يردد أحدهم كلاماً يراوح بين الساخر والحائر: «الصمتُ مفتاح الفرج! لا أعتقد، أظن أن الصمت جريمة حين يجب الكلام، ونحن مُجرمون بحقّ أنفسنا».