بحركات مضطربة، تتهادى بين موجات نهر الفرات، لترسم على سطحه خطوط وصل بين ضفتيه، وتنتظر قدوم عابري «الجزيرة» و«الشامية» لتبدأ رحلتها اليومية. إنها «العبّارة»، وهي عبارة عن عدد كبير من البراميل الحديدية، المحكمة الإغلاق، جُمع بعضها إلى بعض في شكل عمودي، وبطريقة فنية معينة. تربط من خلال زوايا حديدية بحبل، وتوضع فوق البراميل ألواح خشبية. ثم تزود بمحرك سيارة، وقوده المازوت. يبلغ طول «العبّارة» ما يقارب ستة أمتار، وعرضها خمسة أمتار، وتستطيع حمل سيارة وزنها ثلاثة أطنان، وعبور النهر بها.

يشير أبو محمد الديري، بسبابته، إلى العبّارة المركونة على ضفة النهر، ويقول لـ«الأخبار»: «نتيجة تدمير معظم الجسور التي تربط بين ضفتي النهر, كان لا بد من إيجاد وسيلة للعبور. باتت تلك الكتل الحديدية الوسيلة شبه الوحيدة لنقل الأشخاص والآليات الصغيرة، إضافة إلى المواشي والأغنام، والمحاصيل الزراعية، إلى المدينة». امتهن الرجل الخمسيني صناعة العبّارات، وقوارب صيد الأسماك، بالتزامن مع تزايد تفجير الجسور وتدميرها، من قبل المجموعات المسلحة، وطائرات «التحالف». بنبرة يعتريها الخوف، يُلفت الرجل إلى أن «هذه العبّارات غير آمنة، ومعرّضة للانجراف بفعل التيار المائي، أو حتى الانقلاب في أيام طوفان النهر». ويضيف «لكنها، رغم خطورتها، حلّت أزمة التنقل بين الضفتين». لا تستغرق الرحلة أكثر من عشر دقائق لعبور النهر الذي يبلغ عرضه ثلاثمئة متر، وتكلّف الراكب الواحد 500 ليرة، والسيارة 2000 ليرة.
يضرب «مرواح» محرك العبّارة النهر بإيقاع سريع، وصوتٍ صاخب. يضطرب النهر بفعل الضربة لدقائق، ثم يستعيد هدوءه. يركب العابرون، يرفع أبو محمد يده عن مضرب المحرك، ليهدينا السلام، ويختتم حديثه قائلاً «لا يمكن أن تتوقف الحياة على ضفّتي الفرات».