في نيسان الماضي، حذّرت «منظمة الصحة العالمية» من أن نسبة الإصابات بمرض «الليشمانيا»، المعروف في سوريا باسم «حبة حلب»، ارتفعت بنسبة 30% عن السنوات السابقة. قالت المنظمة إنها وثّقت حتى نهاية عام 2018، أكثر من 58 ألف حالة إصابة، ثلثها تقريباً في مناطق الشمال السوري. الجديد في اﻷمر أن اﻹصابات لم تتوقف عند حدود مناطق معروفة تاريخياً بحضانة هذا المرض الوبائي (مثل حلب وحماة)، بل وصلت إلى مناطق جديدة لم يسبق تسجيل إصابات فيها، مثل إدلب، والحسكة. أما أحدثها، فمنطقة هجين، في محافظة دير الزور.

حطّت «الليشمانيا» رحالها في منطقة هجين، بريف دير الزور الجنوبي الشرقي، في الربيع الماضي (راجع الأخبار 23 آذار 2019). وقتذاك، شهدت المنطقة تسجيل أول حالة إصابة بالمرض، المعروف محليّاً باسم «حبة حلب»، ليصل عدد المصابين اليوم إلى 3500 شخص! تبعد هجين عن مركز مدينة دير الزور قرابة 120 كم، ويبلغ عدد سكانها حوالى 120 ألف نسمة. تخضع حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، ويحيط بها نهر الفرات من ثلاث جهات، مشكّلاً سهلاً فيضياً توفّر رواسبه بيئة خصبة لظهور المرض.
«الجثث البشرية غير المدفونة، هي السبب الرئيس لانتشار الجائحة بهذه الحدّة»، وفقاً لناشطي المجتمع المحلي. إذ خلّفت المعارك التي دارت هناك، أعداداً كبيرة من الجثث، المتروكة في العراء، وخاصة في منطقة السهل الفيضي. يقول الشاب محمد نايف العكلة، وهو مجنّد في الجيش السوري من أبناء المنطقة، ويخدم حالياً في محافظة الحسكة، إن «مناطق ريف دير الزور الشرقي تعاني أشد المعاناة من الليشمانيا بسبب وجود تلك الجثث، في ظل افتقار كبير لكل الأدوات واﻹمكانات التي يمكن أن تخفف من مظاهر المرض أو تعالجه».
أسّس العكلة، بالتعاون مع عدد من الناشطين المحليين، مبادرة تطوعية للمساعدة في التخلص من الجائحة. يقول: «توجد أسباب أخرى لتفشّي المرض، منها الظروف البيئية الصعبة التي يعيش فيها الناس». ويضيف: «في هجين، لا توجد حنفيّات نظيفة (شبكة مياه شرب معالجة) حتى اﻵن. يشرب اﻷهالي من مياه الآبار، غير الصحية ولا النظيفة، التي تعج ببذور المرض». ومن دون انتظار الهيئات الحكومية السورية الرسمية ولا تلك التي تديرها «قسد»، قام متطوعون من هجين والقرى المجاورة لها بالعمل على انتشال ما أمكنهم من الجثث ودفنها، وخاصةً في منطقة «غرب الفرات» الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية، وهي مناطق شهدت معارك طاحنة، تجدّدت غير مرة على امتداد سنوات.
لكن، وبسبب ضعف اﻹمكانات المادية، فإن جهود المتطوعين لم تُثمر تنظيف المنطقة بشكل كامل. لا تزال روائح العفن القوية تحاصر المدينة وقراها المجاورة، ويزيدها انتشاراً فصل الأمطار. وتشكل الأماكن الرطبة، والمظلمة، بيئة مثالية لنمو «ذبابة الرمل»، المسبّبة للمرض. وهي حشرة صغيرة، تكاد لا تُرى بالعين المجردة. تنشط في أشهر الربيع والصيف، وتنقل المرض الذي يظهر بثلاثة أشكال رئيسية، أولها داء الليشمانيات الحشوي المعروف بالكالازار، وهو أشدها خطورة. وثانيها المرض المخاطي الجلدي. وثالثها، المرض الجلدي، (الأكثر شيوعاً في هجين). يترك الأخير ندوباً لا تُمحى في الجلد، في أي مكان تبيض فيه الذبابة، مع آلام شديدة، ويحتاج الشفاء منه إلى علاج يستمر شهوراً مع حقن أسبوعية، يختلف عددها تبعاً لعدد مناطق اﻹصابة. ومع غياب العلاج الحديث عاد اﻷهالي لابتكار علاجات شعبية نسيها الزمان، منها استخدام المياه الدافئة والملح للتعقيم، وسماد التنور لمعالجة البثور بالكي.

لا دواء!
على مدى اﻷشهر الستة الماضية، لم تتحرك «اﻹدارة الذاتية»، التي تسيطر على المنطقة، لمواجهة الجائحة. أطلقت مجموعة من أبناء المدينة، حملة لجمع التبرعات المالية، بغية تأمين الدواء. انطلقت الحملة عبر منصات التواصل الاجتماعي، باسم «حملة هجين الخيرية»، وأسست، وفقاً للمتطوعين «فريقاً من ممرضين وأطباء ذوي خبرة متطوعين، جميعهم جاهزون للمساعدة وتقديم خبراتهم للجهات المعنية، ولكننا لا نزال بحاجة إلى أطباء اختصاصيين، وإلى توافر الدواء».
يقول أحد ناشطي الحملة، إن «جميع المناشدات لم تؤدّ إلى نتيجة حتى اﻵن»، ويضيف «آخر زيارة قامت بها فرق الهلال الأحمر، كانت في 13 تموز الماضي، واقتصرت على توزيع مواد غذائية وإغاثية، ولم توزع فيها مواد طبية». يشرح المتطوع أن «الحملة استطاعت شراء علب دواء بمبلغ 75000 ليرة في أواخر الصيف (حوالى 100 دولار وقتها). وبلغ سعر علبة الدواء الواحدة 7500 ليرة، فيما من المفترض أن تقدمها الجهات الصحية مجاناً». ويضيف: «العلبة الواحدة تغطي 40 جرعة، لكن أسعار الدواء التي نحصل عليها من السوق السوداء ارتفعت بشكل جنوني، ما جعل الأمر مرهقاً وتأمين الأدوية مستحيلاً».

عاد اﻷهالي لابتكار علاجات شعبية نسيها الزمان


ووفقاً للمتطوعين، فإن عدد المستفيدين من حملتهم، بلغ 1700 حالة مرضية. حاولت الحملة التطوعية، تأمين ما أمكن من الأدوية، من مستودعات طبية (هي اﻵن تحت سيطرة «قسد») بلا جدوى. ولجأت أيضاً إلى «مخاطبة الدولة السورية، عن طريق مجلس مدينة هجين، وممثلي المكتب التنفيذي للمحافظة، إضافة إلى مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن كل ذلك لم يؤد إلى نتيجة إلى اﻵن». ويقول العكلة، إن «الإدارة الذاتية» تواصلت معهم بعد إطلاق الحملة، ووُعدوا بالمساعدة، «إلا أن ذلك لم يترجم عملياً على أرض الواقع، وبقيت اﻷمور على ما هي».
يوضح الشاب أن تواصلاً جرى مع الدكتور خالد الخالد، مدير مكتب «منظمة الصحة العالمية» في الحسكة، وأن اﻷخير أكد قيام المنظمة بـ«إرسال 2500 علبة دواء إلى ساحة هجين، التي تضم خمس قرى، منها 1200 علبة خاصة بمدينة هجين وحدها، بحكم أن أغلب الحالات منها». لكنّ «شيئاً لم يصل»، وفقاً للمتطوعين. يقول العكلة، إن «مستودعات اﻷدوية التي لم يكن فيها دواء لليشمانيا، أصبحت بين عشية وضحاها ممتلئة بها، وتعرضها للبيع بأسعار مرتفعة نسبياً. ثمن علبة الدواء 10 دولارات، فيما يفترض أن يكون مجانياً، فهو أصلاً مقدم من منظمة الصحة العالمية»!

«معبرٌ» لا يحل المشكلة
مع مطلع العام الدراسي، قامت «مديرية صحة دير الزور» بإجراء مسح لمدارس المدينة على مرحلتين، انتهى في العاشر من كانون اﻷول الحالي، تم فيه الكشف على 25 مدرسة، بلغ العدد الكلي لطلابها 21 ألف طالب تقريباً، مع تسجيل 39 إصابة، وفقاً للدكتورة ميسون الحاج، «رئيسة برنامج مكافحة الليشمانيا» في المديرية. ونقلت تقارير إعلامية عن الحاج، أن معظم الإصابات سُجلت في مناطق الجزيرة الواقعة خارج سيطرة الدولة السورية، وأن «المسح مستمر إلى أن يشمل كامل مدارس المحافظة».
سعى معدّا هذا الريبورتاج، إلى الوقوف على مزيد من التفاصيل عن الجائحة، والإجراءات الحكومية، عبر المكتب الإعلامي في «مديرية الصحة»، غير أن المكتب المعني اكتفى بتسلّم الأسئلة فحسب. فيما يوضح الدكتور عاطف الطويل، «مدير برنامج الليشمانيا والبيئة الصحية» في وزارة الصحة السورية، أن الوضع في هجين يكاد يقترب من «الحالة الوبائية»، وأن الوزارة «شكّلت فريق عمل ﻹجراء مسح وتقدير عدد اﻹصابات ومعالجتها». ويضيف: «كثير من المصابين يراجعون مديرية الصحة في دير الزور، بعد أن تم افتتاح ممر لوصول هؤلاء إلى مراكز مكافحة الليشمانيا في المدينة».
يقول الطويل إنه «لا يوجد في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، أي تشخيص أو علاج للمرض. كما يتم التخلص من النفايات، ولا توجد وسائل حماية من نقل المرض». ويؤكد أن الوزارة «تعمل على الوصول إلى المنطقة، بعد الحصول على الموافقات اللازمة، والتنسيق لضمان أمن الفريق. كما يتم التواصل مع متطوعين في المنطقة لتأمين سبل العلاج للناس». أما مسؤولو «اﻹدارة الذاتية»، الذين تواصلنا معهم، فأحالوا اﻷسئلة إلى «الجهات الصحية» التابعة لـ«الذاتية»، ولم نتلقّ حتى ساعة كتابة التحقيق أي رد، برغم مرور زمن تجاوز الأسبوعين.