منذ عام 2006 تعرّفت إلى معنى «الغروتيسك» في المسرح، بعد حضوري عرض «الحدث السعيد» لمخرجه سامر عمران، الذي أخبرني أن طبيعة هذا النوع المسرحي تتضمن ثلاثة أركان: اللامعقولية، الألم والطرافة، ممزوجاً بعضها ببعض. حينها؛ أعطاني مثالاً تبسيطياً: شخص ممدّد على سريرِ غرفة العمليات، وأحشاؤه خارج بطنه، كلّما سأله الجراح عن مكان الألم، اهتزّ المريض ضاحكاً، وأشار إلى الطبيب أن ألمه ليس هنا وإنما في مكانٍ آخر، وهكذا.

بعدما يقارب أربعة عشر عاماً، اكتشفتُ أننا شعبٌ «غروتيسكيّ» بامتياز، وإليكم بعض الأدلة: سائق «السيرفيس» عندما يوقفه شرطي المرور، ورغم يقينه بأنه لم يرتكب أي مخالفة، فإنه على نقيض الحنق الذي يضمره، يرسم ابتسامة عريضة على وجهه، ويضع «المعلوم» في يد الشرطي، الذي يكتفي بتغريمه بمخالفة «عدم إبراز التعرفة»، الأقل قيمة. تتسع ابتسامة السائق أكثر، ويعود إلى مركبته راضياً مرضياً، ويرفع صوت المسجّلة على أغنية «سامحتك... من كل قلبي يا محبوبي سامحتك». أما الموظف الحكومي الذي تنطبق عليه مقولة «بالع الموسى على الحدِّين»، فما إن جاءته زيادة الـ20 ألف ليرة سورية، حتى وصل سعر صرف الدولار إلى الألف، في سابقة تاريخية، ارتفعت معها أسعار السلع بجنون غطَّى على الزيادة بعجرها وبجرها. ولأن ذاك الموظف قارئ ممتاز للتاريخ، اشترى فروجاً مشوياً استهلك ما يزيد عن ثلث الزيادة، قائلاً في سره، مع بعض التحوير، «خربانة وخربانة.. خلِّيها تشتِّي خرااااااب».
«الأحداث السعيدة» لا تقف عند ذلك الحد، ففرحة أم العسكري لا تسعها الأرض، وهي تضع حذاء ابنها الذي كان يرتديه في قدم بترتها قذيفة هاون، في جوف المدفأة. لتشعّ، وينتشر وهجها في أرجاء الغرفة المُشبَعة برطوبة جِبال مصياف، بعد نفاد الحطب، وعدم توافر المازوت والغاز، وانقطاعات الكهرباء التي جعلت البلاد كُلَّها تشتعل وتنطفئ مثل شجرة الميلاد، مع استبدال أغنية «ليلة عيد»، بما يتيسر من حفلات «صقر العتابا» و«لهلوبة الميجانا». ولأن نَفَسَ هذا الشعب كاد أن ينقطع، تماهى أبناؤه مع النَّفَسِ القصير في كل شيء، حتى في الأدب. ففرّخوا شُعراءَ «هايكو» أكثر من اليابان وفرنسا وبريطانيا، وباتوا على يقين تام بأن إبداعاتهم أهم من «الدَّرب الضَّيِّق في أقصى المعمورة» للمعلِّم «باشو». ولعل الشيء الصحيح الوحيد هو «دربهم الضيق»، إذ ضاق الحال إلى الدرجة التي جعلتهم يُقنّنون، حتى في استعمال المناديل الورقية، فعلبة المحارم باتت بـ700 ليرة. وإن أرادوا أن «يُنَفِّخوا» على وضعهم المأساوي، فإن ثمن السحبة الواحدة من نَفَس نرجيلة منزلي، لا يقل عن خمسين ليرة، وفقاً لحسابات أحدهم. أما بيضات الفقراء، بحسب التسمية الشعبية، فالصحن الواحد منها بـ1400 ليرة، من دون أن نعلم ما علاقة «بيضاتنا» بالدولار. مثلها في ذلك، مثل البندورة البانياسية، التي وصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى 400 ليرة، بعدما كان قبل الحرب 15 ليرة. هكذا؛ صار صحن «الجظ مظ» مُعرَّضاً للانقراض من على موائد هذا الشعب، الذي لم يتبقّ له سوى الملفوف (ثمن الكيلو 140 ليرة) الذي يطبخه مع الرز، ضاحكاً على نفسه بأنه «محشي الكسالى» لأنه من دون لفّ. ومن دون لفّ ودوران، لو سمع صموئيل بيكيت، بالعبثية التي نعيشها، لأعاد النَّظر مثلنا في «غودو» بذات نفسه. ولترك «فلاديمير» و«أستراجون» يُدَخِّنان اللَّف من شتلات «حمَّام القراحلة» أو «القدموس» أو «جبال اللاذقية» السمراء، واستعاض عن الشَّجرة العارية في مسرحيته، بإنسانٍ سوريٍّ، بكامل لا معقوليته، وفرادة عريِه وعزلته وألمه وطرافته.