قادم من سوريا

تستغرق موظفة المكتبة الجامعية لحظات في صدمتها، بعد معرفتها أنني قادم من سوريا، ثم تنتفض من مكانها وتدعوني إلى الجلوس. «أنت في أمان هنا، لا تقلق»، تقول بحرارة، قبل أن تسألني عن أي شيء يتعلق بمجال دراستي. لا أستطيع ضبط عاطفتي، وأنا أحاول قول كل شيء دفعة واحدة. قاطعتني وهي تربّت على كتفي، بعد أن تجمَّعت حبَّات العرق على جبيني، قائلة «انسَ كل شيء، هنالك من ينتظرك»، وأشارت إلى قاعة كبيرة مكيّفة، تحوي عشرات الطاولات الخشبية الدائرية، يتوزّع عليها طلاب منهمِكون في الدراسة.
دخلنا معاً قاعة المكتبة. خاطبت الموظفة (اسمها كوني مام) الجميع بلغة غريبة وسريعة، وسرعان ما التفتوا نحوي بابتسامات عريضة تختصر كل عبارات الترحيب. التواصل الشفوي مع كثير من الهنود صعب، بسبب تحدّثهم اللغة الهندية أو اللغات المحلية، إلا أنهم يجيدون التعبير بالابتسامات جيداً، وأكاد أجزم بأنهم يملكون أجمل ابتسامات قد يراها المرء في حياته. في اليوم الثاني عدت إلى مكتبة الجامعة الهندية، للبحث عن مرجع يتعلق بدراستي. استقبلتني مام بابتسامة طمأنة تخفي وراءها أمراً ما، ثم قالت «سنتفق على أن أنقل إليك أخبار سوريا، الجيدة منها فقط، مقابل أن تدرس من دون أن تنشغل بما يجري هناك». قبل أن أوافق على عرضها المغري، سبقني إشعار من «فايسبوك»، يُعلمني بأن «صواريخ العدو الصهيوني تستهدف دمشق».

«سيريا، سيريا»... إنها السياسة
أجلس الآن في الطابق الأرضي، من الوحدة السكنية المخصصة لطلاب الدراسات العليا في الجامعة. تطوّع أحد الحراس بكرسيّه لأجلس عليه، بعد أن التمس راحتي بالدراسة في هذا المكان. حاولت الشرح له، بما أسعفتني به مقدرتي على التحدث باللغة الإنكليزية. أخبرته بأن الدراسة تصبح رتيبة ومملّة إذا بقيت في غرفتي طوال اليوم، لذلك أحتاج إلى تغيير المكان. لم يستوعب كل ما تكلمت به، لكونه يتحدث لغة الأوريا (اللغة المحلية في المقاطعة)، لكن مقدرته البسيطة على فهم الإنكليزية أسعفته في فهم الحالة. يقف هذا الموظف على قدميه ساعات طويلة يومياً. (لا أتذكر أنني وقفت مثلها، سوى مرة واحدة، عندما انتظرنا لتوثيق لحظة خروج المسلحين من الغوطة الشرقية). أثناء وقوفه الطويل، يضع الحارس كفه على خده متابعاً أخبار العالم، أو يتشاغل بقراءة جرائد محلية. أسأله يومياً «هل يوجد شيء جيد في تلك الأخبار؟» فيجيب «لا! إنّها السياسة». قبل أيام، سألني عن اسم بلادي. كتبت له «Syria» ومضيت إلى دراستي. في اليوم التالي سمعته ينادي: «سيريا، سيريا». نظرت نحوه، وفهمت أنه يقصدني. اقتربت منه، فطلب مني الانتظار. بعد لحظات، عرض عليّ صورة العلم السوري الرسمي، وصور أعلام أخرى متعددة، رُفعت في سوريا منذ بدء أزمتها. فهمت أنّه مستغرب وجود كل تلك الأعلام، في بلاد أصغر من بلاده بمئات آلاف الكيلومترات. حذفت صور الأعلام، وتركت له صورة العلم الرسمي، وقلت «هي أيضاً السياسة». ابتسم مردّداً عبارة انتهت بكلمة «سيريا». أجزم بأنه كان يتمنّى السلام لسوريا.