يبدأ الحفل الصغير دون كثير من الرسميات، فيصعد يافع لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة، حاملاً ورقة، ثم يبدأ قراءة ما فيها بهدوء تغطّيه ثقة واضحة بالنفس. يهمس رجل في أذن آخر بجواره: «هذا الشاب الصغير لم يكن قبل أشهر يميّز بين حرفٍ وآخر»، فيما تتوالى الفقرات بين غناء وتمثيل ورقص، يقطعها يافع آخر يلقي شعراً بلغة عربية فصيحة.

الحفل الذي أقيم في كنيسة «ماريشا» في مدينة اللاذقية، هو احتفاء بنتاج عمل استمر ثلاثة أشهر ونصف بمشاركة فاعلة من متطوعين، أساتذة وإداريين، من فرع مؤسسة «أبناء المحبة» السورية (تأسست في دمشق عام 2017)، فقاموا بدورة مكثفة لـ«محو أُمّية» 75 يافعاً ومراهقاً ضمن مشروع مستمر بصمت منذ عامين، يتضمن كذلك دروساً لتنمية المهارات اليدوية والفنية. وسبق للمؤسسة أن خرّجت أعداداً من اليافعين بهدف محو أُمّيتهم، وﻹتاحة الفرصة لمن يرغب منهم في متابعة تعلّمه أو مساعدته للاندماج في سوق العمل.
يقول ممدوح بليلو (13عاماً) إن مشاركته في المشروع التعليمي الخاص بإعادة تأهيل الطلاب المتسربين من المدارس الذي يهدف إلى إعادة إلحاق المتسربين بالمدارس الحكومية، جاءت بناءً على تفكير والدته التي صحبته إلى المؤسسة بعد انقطاعه عن الدراسة منذ عام 2014 حين عاشت مدينته الرقة احتلال تنظيم «داعش» لجميع مرافقها الرسمية، ومنها مدرسته. استطاع الشاب الصغير أن يتجاوز سنواته الضائعة عبر الدورة المكثفة، وفوق ذلك شارك في مسابقة «ماراثون القراءة» الرابع الذي تقيمه «مكتبة الأطفال العمومية باللاذقية»، وفاز بالمركز الثالث عن فئته العمرية. واليوم، ممدوح في الصف التاسع يتابع تحصيله العلمي.
معظم هؤلاء المراهقين الذكور يعملون لتأمين لقمة عيشهم وعيش عائلاتهم. يشير المدوّن رامي فيتالي، الذي حضر حفل الختام إلى أنّ من الصعب «إقناع اﻷولاد بالتسجيل في الدورة رغم إدراك بعضهم أهمية الدراسة في حياتهم بسبب عدم تشجيع عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي عليه. على العكس، فإنه يحبطهم ويطالبهم بالتركيز على شي مفيد». الأهم كما يقول الشاب «أن يلتزم الأولاد الدوام والدراسة التزاماً شبه كامل، رغم صعوبة ذلك لاضطرارهم إلى العمل الذي لا يتمتعون فيه بأي حقوق. إنها أعجوبة دون أي مبالغة».
حتى مطلع العقد الحالي، كانت نسبة تسرّب اﻷطفال واليافعين من المدارس السورية في حدها اﻷدنى، وتتفق مع النسب الدولية وفق إحصاءات «يونسكو». إلا أن اﻷزمة، ثم الحرب اللاحقة أخرجت نحو 2.6 مليون طفل عن مقاعد الدراسة، داخل البلاد وخارجها، اﻷمر الذي جعل استقطاب هؤلاء من جديد إلى مسار التعليم، هدفاً لعدد من المؤسسات الناشطة، في سباق مع الحرب. وتبقى اﻹجراءات التي تقوم بها المؤسسات الرسمية والجمعيات الخيرية والمبادرات الفردية أقلّ من أن تستوعب الكميات الكبيرة للمتسربين والمنقطعين عن التعلّم. للفتيات المتسربات نصيب كبير من التعليم في المشروع أيضاً، لكن لم يحن بعد قطاف الموسم، الذي ضرب موعداً في نهاية العام الحالي.