«ياسمين شو لك عمّي؟ اسألني عن الخبز»، يجيب أبو الفوز ضاحكاً، حين نسأله عن «الياسمين الدمشقي». يعمل الرجل الستيني سائق سيارة أجرة في العاصمة السوريّة، حين سألَنا عن وجهتنا، قلنا ممازحين: «خذنا إلى الياسمين الشامي، وأخبرنا خلال الطريق ماذا يعنيه لك». لا مبرّر لدهشتنا، لكنها كانت حاضرة (ربّما بفعل آلية تفكير نمطيّة) حين شرع الرجل يردّد مقطعاً من شعر محمود درويش، بتصرّف «إنّا نحبّ الورد، لكنّا نحبّ الخبز أكثر». نقول مصحّحين: «نحب القمح»، فيجيب: «بعرف لك عمي بعرف، بقيت أربعين سنة مدرس لغة عربيّة. بس بحالتنا اليوم ما عاد في مكان للرمزية، لقمة الخبز استعبدتنا». لدى أبو الفوز حكاية بائسة، حاله حال معظم السوريين بعد ثمانية أعوام من الحرب. خلاصة الحكاية: رجلٌ ستيني، يعيش في شقة مستأجرة مساحتها 65 متراً مربعاً، مع كنّتين وسبعة أحفاد، وذكريات عن ابن شاب قطفته الحرب، وابنين آخرين وابنة تفرّقوا في «بلاد الله الواسعة».


الحرب مستمرّة
في الشهور الأخيرة، بات خلو معظم التفاصيل الدمشقيّة من الروح سمة شديدة الوضوح، وبطريقة توحي بأنّ كثيراً مما تراه في العاصمة مصطنعٌ وغير حقيقي، ولا سيّما مظاهر الابتهاج. يؤكد أحد الصحافيين القاطنين في العاصمة الفكرة السابقة، ويقول إنّ الفترة التي عاش فيها الشارع شيئاً من الابتهاج الحقيقي كانت الأسبوعين الأخيرين من العام الماضي. يُردّ الأمر إلى أن دمشق عرفت في تلك الفترة القصيرة استقراراً خدميّاً، قوامه توافر «عصب الحياة الحديثة» من حوامل طاقة، وتغذية كهربائيّة شبه دائمة. وتزامن ذلك مع احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة، التي أُريد لها أن تكون كبيرة. اليوم، ومع انتصاف السنة التي صدّق الكثيرون في مطلعها أنّها ستكون «سنة الابتهاج بالنصر»، يبدو المثل الشعبي «ذاب الثلج، وبان المرج» أكثف تعبير عمّا آلت إليه الأمور. لا مكان لـ«النصر» في أحاديث النّاس، اللوحات الإعلانيّة التي كانت تحتفي به أزيلت أخيراً، وسلّم الجميع بأنّ «الحرب مستمرّة، ولو تغيرت صورتها».

لا أحد «يحكي سياسة»
لا تحضر أحاديث السياسة، أو الوضع العسكري، في يوميّات دمشق، إلا في شكل محدود وضمن نطاقات معيّنة. ربما كان مفهوماً انخفاض اهتمام معظم الشرائح، بعدما غادرت الحرب العسكرية بعيداً، لكن الغريب انسحابُ الحال على جلسات كثيرة تضم صحافيين، ومثقّفين، ومشتغلين بـ«الشأن العام». لا يختلف الأمر كثيراً في جلسة تضم نُخباً فكرية معارضة، وبرغم أن طبيعة الجلسة المذكورة كانت اجتماعيّة بحتة، فإنّ خلوّها من أي نقاش يتناول «الوضع» يعكس ــــ على الأرجح ــــ قدراً كبيراً من التسليم بعبثية ما تعيشه البلاد. في المقابل، يحضر انتقاد الأداء الحكومي همساً، في بعض الجلسات التي تضمّ نُخباً محسوبة على الموالاة، مع كثير من اليأس من احتمال «تغيّر أي شيء».

لا تحضر أحاديث السياسة، أو الوضع العسكري، في يوميّات دمشق


ما بعد الصّدمة
لا يوافق ماجد (اسم مستعار) على أنّ سكان العاصمة يعيشون اليوم «تحت وقع الصدمة». يصوّب الأمور بالقول «هي مرحلة ما بعد الصدمة، وهذه أقسى بكثير، لقد استوعب معظم الناس هول ما عاشوه، ويعيشونه». لعبت الأزمات الخدمية التي عرفتها العاصمة في الشهور الماضية دوراً أساسياً في تبدل المزاج العام. فاقم الركود الاقتصادي صعوبة الموقف، واستنزف ما تبقى من مدّخرات السواد الأعظم من السكّان، بعدما أكلت «السنوات العجاف» معظم تلك المدخرات. في كثير من الأسواق تتكرر المشاهد ذاتها: ازدحامٌ في الشوارع، فيما المحالّ فارغة، أو تكاد.

تناقضات... ومبالغات
إذا كان التناقض الصارخ سمة ملازمة للعواصم، فإنّه في دمشق يبدو أكبر بكثير من المألوف. «الحرب تلعب دور العدسة المكبّرة»، يقول فادي معلّقاً على الملاحظة المذكورة. يستفيض الرجل، وهو طبيب، في الحديث عن سوء الأوضاع الاقتصادية، والشكوى من صعوبة تأمين مستلزمات الحياة. حين نطلب نصيحته بمطعم يقيم مائدة إفطار رمضاني، يذكر فادي اسمي مطعمين «طعامهما طيب، وتكلفتهما مقبولة». المفارقة أن تكلفة إفطار الشخص الواحد في كل من المطعمين تقارب العشرة آلاف ليرة، وهو رقم كبيرٌ في بلد لا يتجاوز راتب الفئة الأولى من موظفيه (بمن فيهم حملة الدكتوراه، والماجستير) حاجز الـ 50 ألفاً (أقل من 100 دولار، وما يكفي لإفطار خمسة أشخاص فحسب). تُعد أسعار الوجبات في المطاعم أحد أبرز المؤشرات على تناقضات العاصمة. وفي حين يكلّف إفطار الشخص الواحد قرابة 3 آلاف ليرة في حي «الميدان» (مائدة مليئة باللحوم)، فإنّها تصل الى 12 ألفاً في مطاعم أخرى، فيما يتقاضى أحد فنادق المدينة القديمة 6 آلاف ليرة عن وجبة السحور للشخص الواحد، ويتجاوز ثمن فنجان القهوة في أحد المقاهي 3 آلاف (حوالى 6 دولارات). بالتوازي مع التناقضات، تُمكن ملاحظة تفاقم المبالغات في كثير من التفاصيل، ولا سيّما تلك المرتبطة باصطناع الفرح. يُقدم حي «باب شرقي» نموذجاً صارخاً في هذا الإطار، بعدما تحوّل إلى منطقة مخصصة للسّهر، بباراته المتزايدة بسرعة لافتة. على نحو مشابه، تشكل «حديقة الجاحظ» أحد نماذج المبالغة في كثير من التفاصيل. ويبدو لافتاً أنّ عربةً «شعبيّة» لبيع المشروبات الساخنة، تُقدّم لزبائنها أصنافاً لا تجدها في كثير من «المقاهي الفخمة» في محافظات أخرى. لا مبرر للاستغراب لدى انتباهك إلى أن معظم تلك الأصناف «ماركات مهرّبة»، برغم الحملات الشعواء «لمكافحة التهريب»، فأصحاب هذا النمط من العربات «وراهم واسطات ثقيلة».

«حكواتي النوفرة» شبه وحيد
لا يزال مقهى «النوفرة»، أحد أعرق مقاهي العاصمة، محافظاً على تقليد «حكواتي رمضان». يوميّاً، وفي التاسعة والنصف ليلاً تُطفأ الشاشة الضخمة الغريبة عن نسيج المكان، ويصمت صوت مسلسل «الهيبة»، لتبدأ الحكاية، مع عدد قليل من الزبائن. فيما يفضّل العدد الأكبر الجلوس في الباحة الخارجيّة للمقهى، على مقربة من الجامع الأموي. لا تبدو متابعة «سيرة عنترة» مثيرة لانتباه الزبائن المعدودين، بقدر ما يتركّز اهتمامهم على استخدام هواتفهم الذكيّة، لالتقاط صور للحكواتي بملابسه التقليدية، تمهيداً للتغنّي بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لا مكان للمجاز
«تغيّرت الشام كثيراً». تصرّ زينة على تكرار الجملة، رافضةً كلّ التفسيرات التي يقدّمها أصدقاؤها، من «هجرة الأصدقاء»، إلى «أثر الحرب»، إلى «الوضع الاقتصادي». «تغيّرت الشام، تغيّرت روحها، ما عادت تشبه حالها»، تقول الصبيّة الدمشقية بنبرة محايدة، تكاد تخلو من الأسى، ويهيمن عليها اليأس. نتذكّر السائق أبو الفوز، وصديقه الكبير، محمود درويش، إذ «لا مكان للمجاز» في دمشق اليوم، ولا معنى للبحث عن «الغريب» الذي «ينام على ظلّه واقفاً»، فيما كثير من «أبناء البلد» لا يجدون سقفاً ينامون تحته.