«الأسواق هنا مليئة بكل شيء. جميع الأصناف التي اعتدناها متوافرة في المتاجر، يمكنك شراء ما تحتاجه وكأنك في سوريا». بهذه الكلمات تفتتح أم أحمد، ابنة مدينة حلب، الحديث عن شهر رمضان الذي تعيشه مع عائلتها في مدينة قرب العاصمة الهولندية أمستردام. تكرر مرات عدة أن «كل شيء متوافر»، قبل أن تستدرك: «رغم ذلك نفتقد لرمضان فعلاً، ونحاول إيجاده داخل منزلنا». منذ الصباح الباكر، تبدأ أم أحمد الإعداد لمائدة الإفطار، تجهّز الوجبة الرئيسية، والمقبلات، كذلك تُعدّ شراب السوس والتمر الهندي، والفلافل، والفتة، وحتى الفول والحمّص. تقول: «لا أطبخ كميات كبيرة، ولكنني أحرص على التنوع». تحرص السيدة أيضاً على صناعة بعض المعجنات الرمضانية، وتوضح قائلةً: «يوجد محل يبيع المعروك، ولكنه لا يشبه المعروك الذي نعرفه في سوريا، لذلك أصنعه بنفسي». تؤكد أم أحمد أنّ الأمر «لا يتعلق بالطعام. هذا ما اعتدناه في شهر رمضان، مائدة متنوعة تضم جميع أفراد العائلة». وتضيف: «الغصّة لا تتعلق بالطقوس العامّة، أو الطعام المتوافر على مائدة الإفطار، بل بالعائلة التي اعتدنا أن نراها مجتمعة على المائدة. الحرب حرمتنا تلك اللمّة».


لمّ شمل... افتراضي
في مدينة ميونيخ الألمانية يعيش وسيم عيسى، ابن مخيم «اليرموك» الدمشقي، بعيداً عن عائلته التي ما زالت في سوريا. وعلى خلاف أم أحمد، لا يتعب وسيم نفسه كثيراً في إعداد مائدة الإفطار، فهو يتسوق من متجر قريب من منزله، ويُعدّ مائدة سوريّة تشبه تلك التي اعتادها في بيته. يقول الشاب: «صحيح أنني أفتقد جوّ العائلة، وشوارع دمشق خلال شهر رمضان، لكن عائلتي تساعدني كثيراً على تجاوز هذا الأمر»، ويضيف: «كل يوم أُجري مكالمة فيديو مع أهلي، وأشاركهم إفطاري، الأمر الذي يقرّب المسافة البعيدة بيننا».

ينقضي اليوم بين دروس تعلّم اللغة وبين ساعات العمل


يسكن راغب الأحمد في مدينة مالمو السويدية، مع زوجته وثلاثة من أبنائه، فيما يتوزع بقية أفراد أسرته بين سوريا وتركيا. يقول الأحمد، الذي ينحدر من ريف دمشق: «على الرغم من ساعات الصيام الطويلة (نحو 19 ساعة)، فإن درجة الحرارة المنخفضة تساعدنا كثيراً، إذ لا نشعر بالعطش». يؤكد الرجل أنّ «ثمة اختلافات كبيرة بين شكل الحياة هنا وشكل الحياة في سوريا. هنا لا نشعر بالوقت فعلاً، فما بين دروس تعلّم اللغة، وبين ساعات العمل، ينقضي اليوم». ويضيف ضاحكاً: «لدينا متسع من الوقت للنوم أيضاً، قبل موعد الإفطار الذي يضجّ بالاتصالات مع أبنائي في تركيا وسوريا». قبل سفره إلى السويد، عاش راغب بعض الوقت في تركيا، الأمر الذي جعله يختبر طقوس رمضان في ثلاثة بلدان (سوريا، تركيا، والسويد). في هذا السياق يشرح: «لا تختلف الطقوس بين سوريا وتركيا كثيراً، من ناحية الأسواق المزدحمة، والأجواء العائلية، خصوصاً أنني كنت أعيش في أحد أحياء أنقرة، بجوار عدد من أقربائي». ويضيف: «كنا نتبادل السكبات (أطباق الطعام) بين المنازل، والعزائم. وكان الأتراك يحتفلون بهذا الشهر بنحو لطيف، إذ ترشّ البلدية ماء الزهر في الشوارع عصراً، ويوقظنا المسحراتي وطبلته». أما عن تجربته في السويد، فيقول: «هنا لا توجد تلك الطقوس، لا علاقات قوية مع الجيران، ولا تبادل للسكبات. طقوسنا تقتصر على مساحة منزلنا فقط، وداخله نفعل ما نشاء، هذه طبيعة السكان، وعلينا أن نحترمها».

«يوتيوب» هرباً من «دسم الأتراك»
قبل نحو عام ونصف، وصل أمجد وزوجته ياسمين إلى مدينة بروكسل البلجيكية، بعد رحلة طويلة. يواظب أمجد على دروس تعلّم اللغة، فيما شغل شهر رمضان زوجته عن تلك الدروس. تقول ياسمين: «لم أكن أتقن الطبخ كثيراً، ولكن مع الوقت بدأت أتعلم إعداد بعض الأطباق»، وتتابع: «أتواصل مع حماتي يومياً، وأتعلم منها كيفية تحضير عدد من الوجبات التي يحبها أمجد، وأستعين أيضاً بيوتيوب في بعض الأوقات». تنتشر في هولندا مئات المطاعم ومحال بيع المعجنات والحلويات التي يعمل فيها أو يملكها الأتراك، الأمر الذي حوّل الأطعمة والحلويات الشرقية إلى ما يشبه الحكر على الأتراك، وفق تعبير أم أحمد، التي توضح أنه «في البداية كنا نشتري بعض الحلويات والمعجنات من المحلات التركية، طعمها يشبه تلك التي نصنعها في سوريا، ولكنها دسمة بنحو لا يصدق. لذلك، قررت أن أتعلم صناعة هذه الحلويات بنفسي على الطريقة السورية». وكحال ياسمين، تستعين أم أحمد بموقع «يوتيوب» الذي يحوي عشرات القنوات الخاصة بتعليم فنون الطبخ وصناعة الحلويات الشرقية. تقول: «أتعلم الأساسيات فقط، وأطورها بنفسي. مع التكرار بدأت أتقن صناعة عدد من الأصناف. أخذت معي أمس إلى المدرسة بعض الحلويات، للمعلمة التي تعلمنا اللغة الهولندية». تقول أم أحمد إن المعلمة «رفضت أن تأكل الحلويات فوراً لأننا صائمون، وحوّلت الدرس إلى حديث عن شهر رمضان وطقوسه، مثل هذه التصرفات اللطيفة تعوضنا كثيراً عن الشعور بالغربة هنا».