الفرق الشاسع بين احتياجات المعيشة والأجور الشهرية، جعل تدبّر السوريين لأحوالهم أشبه بالمعجزة. لا يتوافر كثير من الحلول «النظيفة» لسدّ الفجوة، وتكاد تقتصر على الحوالات الخارجية، أو العمل في أكثر من وظيفة، بعد أن أكلت الحرب المدّخرات والممتلكات. يحدث ذلك، وسط عجز الحكومة عن إيجاد حلول فعليّة، تُنقذ معظم أفراد الشعب من أزمات متكررة، اتّسع نطاقها ليشمل الحياة كافة.

بصوت مبحوح، تنادي سيدة ستينية من فلّاحات ريف دمشق، المارة في سوق «باب سريجة»، للشراء من أعشابها الطبيعية. «خلّيها لربك... ما فيي قول غير الله يفرج»، تجيب عند سؤالها عن أسباب عملها رغم سنّها الكبير. باتت تلك الجملة مرافقة لمعظم السوريين، بعد فقدانهم الأمل بتحسين مستوى معيشتهم، في ظلّ ارتفاع أسعار السلع وانخفاض قيمة مداخيلهم. وفيما لا يتجاوز متوسط الأجور 35 ألف ليرة سورية، تؤكد أرقام «المكتب المركزي للإحصاء»، أن إنفاق الأسرة يقدّر بنحو 325 ألف ليرة شهرياً.

«حظر تجوّل» ذاتي
يفصح حال أسواق دمشق عن الوضع المعيشي المتأزّم، إذ يكفي السير في أرجائها لإدارك أن الجمود سيّد الموقف. ليست الأسواق وحدها التي تعطي مؤشراً سلبياً عن المعيشة المرّة، فوجوه المارّة العابسة تروي الكثير من دون الحاجة إلى الكلام مباشرة معهم؛ ويندر غياب حديث الهمّ المعيشي وأزمات الوقود، عن أي تجمّع بين شخصين أو أكثر. يقول أحد الباعة في شارع «خالد بن الوليد»، الذي عادة ما يكون مكتظّاً: «السوق داقر... لم يشهد هذا الشارع يوماً ركوداً بهذه الطريقة، حتى في أشد أوقات الحرب ضراوة». ويضيف «عدم وجود السيولة فرض حظر تجول ذاتياً، فالغلاء طال كلّ شي ليزيد الأمور سوءاً».

فرق شاسع!
أحمد وسوف، واحدٌ من الموظّفين الحكوميين الكثر الذين يمارسون عملاً آخر في القطاع الخاص. ولم يعد مثل هذا السلوك خياراً لـ«تحسين الوضع»، بل بات نهجاً لا بدّ منه لسدّ الفجوة الهائلة بين الدّخل والنفقات. يقول أحمد، وهو أب لأربعة أطفال: «أضطر للعمل في القطاع الخاص بعد انتهاء دوام وظيفتي الحكومية. زوجتي موظفة أيضاً، لكن هذه الرواتب القليلة التي لا يصل مجموعها إلى 150 ألفاً (نحو 300 دولار) لا تكفي لمقاومة الغلاء. نحتاج لأكثر من 250 ألف ليرة شهريّاً، فهل يجب أن نعمل ليل نهار لنستطيع العيش فقط؟». يرى الرجل أن هذا الواقع المعيشي الضاغط قد يدفع كثيرين إلى تغيير قناعاتهم، والسير في ركاب الفاسدين. أما من لديه أقارب أو أصدقاء ميسورون في المغترب، فهو من سعيدي الحظ، باعتبار أن الحوالات باتت إحدى الوسائل المُجدية للاستمرار في العيش؛ وهو ما يشير إليه فراس سمير، الذي يقول: «إيجار البيت يقارب 100 ألف ليرة، فهل يسدّها راتبي الذي لا يتجاوز 40 ألفاً؟ لولا الحوالات من إخوتي في الخارج كان وضعنا بالويل».

لا يتجاوز متوسط الأجور 35 ألف ليرة فيما يقدّر إنفاق الأسرة بنحو 325 ألف ليرة شهرياً


«قانون الغاب»
ترى الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة رشا سيروب، أن الدولة انسحبت بشكل كبير من أداء واجباتها الاقتصادية والاجتماعية، وتحوّلت إلى متفرّج على إدارة الأمور اليومية، بعد «تخلّيها عن وظيفتها» في توزيع الموارد، لتصبح هذه الوظيفة بيد المواطنين جميعاً وفق «قانون الغاب». فالمواطن يستطيع، حسب قولها، «البقاء على قيد الحياة، أو العيش يوماً بيوم، في أدنى المستويات المعيشية على حساب الكرامة الإنسانية، وخير دليل الانتظار في طوابير الغاز والمازوت والخبز ساعات وساعات، وفترات العمل الطويلة في أكثر من وظيفة، بعضها لا يلبّي الحد الأدنى من الشروط الصحّية والإنسانية». وتلفت سيروب إلى أن «بعض الأسر استطاعت الاستفادة من الحوالات الخارجية، والمساعدات الإنسانية، التي شكّلت طوق نجاة من العَوَز». لكن عضو مجلس الشعب، وليد درويش، يخالفها الرأي عند سؤاله عمّا يفعله المجلس للضغط على الحكومة لتحسين أحوال المواطنين. ويقول إن الحكومة «تفعل كلّ ما في وسعها لتحسين معيشة مواطنيها... ماذا بإمكانها أن تفعل إن كانت أميركا وحلفاؤها يفرضون حصاراً اقتصادياً صارماً؟». ويضيف «رغم كل الشائعات، لا يزال الدعم مستمراً للمشتقات النفطية والخبز والكهرباء». يشرح درويش أن «راتب الموظف كان قبل الحرب 25 ألف ليرة أي 500 دولار، وكان يعد من الأجور المرتفعة في الشرق الأوسط. لكن بعد ثمانية أعوام من الحرب، واشتداد الحصار وانخفاض قيمة الليرة الشرائية، انخفضت قيمة الأجور، ودخلنا أزمة حقيقية، لن تحلّها زيادة الرواتب، وخاصة أنه يصعب رفعها إلى 325 ألف ليرة».

بلد خير
اضطرت سنوات الحرب القاسية السوريين، وخاصة السيدات، إلى العمل في مهن لم تكن واردة في حساباتهن، بغية إعانة أسرهنّ. تؤكد صبية ثلاثينية من مُهجّري دير الزور، كانت تقف مع صديقاتها بزيهنّ الشعبي، متّكئة على إحدى السيارات أمام أكياس قليلة من الكمأة، اضطرارها للعمل لتدبّر أحوالها المعيشية وتأمين إيجار بيتها، وخاصة أن زوجها عسكريّ في دير الزور. ولدى سؤالها عن أسباب بقائها في دمشق بعيداً عن زوجها، وما يحمله ذلك من أكلاف إضافية، تردّ برسم ضحكة على وجهها والقول: «ما في أحلى من الشام». أما السيدة الخمسينية، التي كانت تتسوق لشراء احتياجات بيتها برفقة ابنتها الوحيدة المتزوجة، فلم تجد أفضل من كلمة «على الله» لوصف كيفية تدبّر شؤون بيتها، لتضيف بعدها: «زوجي ترك وظيفته في القطاع الخاص، وليس لدينا مصدر دخل ثابت. لكنني أحاول أنا وعائلة ابنتي تدبير أمورنا... نعيش في بيت واحد لتخفيف النفقات قدر الإمكان». وتكمل حديثها بلغة من صقلته الحياة: «سوريا بلد خير وكل شي متوفر في الأسواق، بس ما في مصاري للأسف. نحن راحت علينا، لكن بزعل على الجيل الشاب الذي يرى كل شيء أمام عينه، لكنه لا يستطيع التمتع به بسبب عدم توافر المال».

حلول «تدخلية»
ملّ السوريون وعود الحكومة بتحسين ظروفهم المعيشية، وهو ما ترى الدكتورة سيروب، أنه «يقوم على تعزيز القدرة الشرائية للدخل والعمل على مستويات اجتماعية وإدارية واقتصادية، تتطلب تصحيح الحد الأدنى للأجور بما يتفق مع الدستور، وخلق فرص عمل... وعبر سياسات التنمية الاجتماعية في مجال المساعدات والحماية والضمان الاجتماعي والصحة وإعادة توزيع الدخل وغيرها». كما يُفترض العمل إدارياً، حسب سيروب، على توفير السلع والخدمات العامة بالجودة المطلوبة، وضبط أسعار السلع، ما يتطلّب عودة الدولة للتدخل في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، وتصحيح الانحراف الناشئ عن قوى السوق. وترى أنه «حتى تتمكن الدولة من أداء مهامها، فإن هذا يستدعي إعادة تحصيل مواردها المالية المهدورة، التي كانت السبب الرئيس في إضعاف قدرتها على التدخل».