تتضافر عوامل عدة في مفاقمة معاناة الطالب الجامعي السوري، ما بين المناهج التلقينية والامتحانات المرهقة، وغياب مقومات «البحث العلمي» الفعلي، إضافة إلى تدهور النظام التعليمي في ظل الحرب. أمام كل ما سبق، معطوفاً على الأوضاع المأسوية العامة، يندفع الطلبة الطموحون إلى البحث عن فرص المنح الدراسية الخارجية، سعياً وراء نوع من «الخلاص الفردي».

يبدو حال الطالب الجامعي السوري وسط الحرب شديد البؤس، في ظل واقع تعليمي متردٍّ، ومعطيات اجتماعية واقتصاديّة حوّلت الدراسة الجامعية في نظر كثيرين إلى مجرّد وسيلة لضمان «تأجيل قانوني» لموعد تأدية الشبّان الخدمة العسكريّة الإلزاميّة. فيما تتمسّك الشابات، (وبعض الشبّان) بآمال عريضة لمرحلة ما بعد التخرّج، وما قد تتيحه من فرصٍ للمساعدة في «مصروف العائلة». ويبقى كل ذلك ضرباً من الأحلام، داخل بلاد ليست الشهادة الجامعية إلا واحدة من سمات العاطلين من العمل فيها! يضاف إلى ذلك تراجع مستوى «التعليم العالي» بفعل عوامل عدّة، منها اعتماد الجامعات المناهج التلقينية، ووسائل «التطفيش» بحق مدرّسيها الأكفياء، وطلابها المتفوقين وغير المتفوقين. بين هذا وذاك، بات السفر «سبيلاً وحيداً للوصول إلى الأفضل». منح دراسية عصيّة على العدّ تعرضها مؤسسات تعليمية دولية عريقة، وجهات مانحة للاجئين من بلاد الحرب، مع اشتراط وجود حاجة مالية وقابلية للتطور لدى الطالب. ومن غير الإسهاب في نظرية المؤامرة، قد يشكّل الطالب السوري المتفوق «صيداً ثميناً» لبعض المانحين، لأسباب سياسية أحياناً، إضافة إلى ما يتعلق بالفائدة المرجوّة من استثمار طاقات هؤلاء الشباب في بلدان تقدّر قيمتهم وتفتح أبوابها للمجتهدين. وإذ يُمضي طلاب الجامعات السورية سنوات تعليمهم بين افتقار إلى «البحث العلمي» الحقيقي، واستجداء لـ«مرسوم دورة تكميلية استثنائية»، يمضي آخرون نحو بلدان متطورة تكفل لهم ما يحتاجونه من تحصيل علمي ومستقبل واعد.

عام من التحضيرات
الحصول على إحدى الشهادتين العالميتين لإثبات إتقان اللغة الانكليزية (TOEFL - IELTS)، يعدّ أبرز العقبات في وجه المتقدمين إلى المنح. لا امتحانات لأيٍّ منهما في سوريا، ما يجعل الطالب مضطرّاً إلى السفر إلى بيروت (أو سواها)، ويضاعف كلفة الامتحان، التي تقارب 200 دولار، ليضاف إليها مبلغ مماثل هو مصروف الرحلة إلى البلد الجار. ثمة منح دولية عدة يحفظ الطلبة السوريون شروطها ومزاياها عن ظهر قلب. وتبرز منحة الحكومة البريطانية «Chevening» بوصفها أصعب المنح وأكثرها نزاهة. ومن بين 1800 مقبول من مختلف الدول النامية، ثمّة 35 طالباً سورياً و10 لبنانيين. المهندسة السورية بتول زلخة، واحدة من المقبولين في المنحة البريطانيّة، تشرح لـ«الأخبار» متطلبات التحضير للمنحة، من امتحانات اللغة والحصول على خبرات أُخرى تطلبها بعض المنح، ما يعني عاماً أو أكثر من الجهد. «كنت أواصل عملي، وكأنني لا أخطط للمغادرة. لم أتعامل مع المنحة على أنها خيار وحيد»، تقول. وتضيف: «عند تأكدي من الحصول على المنحة، شعرت بالتوتر. التأشيرة إلى المملكة المتحدة تشكل تحدّياً قاسياً للطلاب السوريين، وقد لا يشفع لهم أحياناً اعتراف أهم الجامعات بأهليتهم للدراسة في بريطانيا». لا ترى زلخة رابطاً ما بين المنحة البريطانية وبين الحرب، إذ إن «عمر المنحة يقارب 40 عاماً، وهي تقدّم سنوياً إلى طلاب سوريين، ومن مختلف الدول النامية». تقول زلخة: «هناك منح موجهة إلى اللاجئين فقط. ورغم ذلك لا يمكننا القول إنهم استفادوا من الحرب، فهم في الوقت ذاته حُرموا، بفعل الحرب، كثيراً من الفرص». تتعرف زلخة وزملاؤها السوريون، منذ الشهر الأول في الجامعات البريطانية، إلى المعنى الحقيقي لـ«البحث العلمي» واحترام حقوق الملكية الفكرية، فيما تجاوز طلاب البلدان الأُخرى هذه المفاهيم منذ الدراسة الثانوية. «الطلاب داخل سوريا يبذلون أضعاف الجهد الذي قد يبذله طالب في كوريا الجنوبية أو السويد مثلاً»، تؤكد زلخة.

العودة إلى البلاد «نكسة»!
نال أحمد الأشقر منحة دراسية مخصصة للطلاب السوريين الموجودين في لبنان تحديداً، تتيح لهم الدراسة في الجامعة الأميركية ببيروت. يعترف الشاب الدمشقي بالاستفادة من الحرب وظرف اللجوء لنيل المنحة. لا ينوي الأشقر العودة إلى سوريا، بل يأمل الحصول على منحة جديدة، تتيح له مواصلة التحصيل العلمي في أوروبا. يقول إن «الصعود على سلم التعلم والمعرفة، لا يحتمل نكسة العودة إلى بلد يشهد هبوطاً في كل شيء». لا يستند كلام الشاب إلى فراغ، فالطلاب الجامعيون داخل سوريا يعيشون ظروفاً مأسوية، إذ لا يمكنهم الاعتماد على الجامعات في مساعدتهم للحصول على فرصة عمل أو تعلم أساليب البحث. إضافة إلى تعذّر الوصول إلى مراجع علمية حديثة عبر الإنترنت، أحياناً بسبب العقوبات على سوريا، وأحياناً أُخرى لعجزهم عن تحمل تكاليف تلك المراجع، كما تؤكد بتول زلخة. وتشير الشابة إلى بعض عيوب النظام التعليمي السوري، الذي «لا يسمح للطالب بأن يناقش أفكاره بحرية. أما النظام التعليمي في البلدان المتطورة، فيشجع الطلاب على تحدي المنظومات والاستكشاف».

شروط كثيرة للعودة!
حصل الخرّيج المتفوق عامر رعوان على منحة الحكومة البريطانية كاملة التمويل، ليدرس اختصاصاً متعلقاً بالإعلام والنوع الاجتماعي «الجندر». يرى الشاب الوضع «مُحبِطاً في البداية للكثيرين، مع صعوبات لغوية وآليات البحث عن الأفكار المهمة وفق منهجية يعرفها الطلاب الأوربيون بخلاف السوريين». يقول رعوان إن «الاستقلالية في التعلم متاحة. الجامعة توفر كل سبل الراحة وفق أنظمة حديثة سهلة عبر موقع الجامعة، إضافة إلى مكتبة مدهشة بأعداد كتبها. المدرّسون مستعدون دائماً للمساعدة، ومتوافرون عبر البريد الإلكتروني». ويثني على «ورش العمل وجلسات النقاش التي تجري وفق سقف حواري عالٍ واحترام لاختلاف وجهات النظر». يدين رعوان الأنظمة التعليمية السورية الفاشلة، التي تشغل المدرّسين بتصحيح الأوراق الامتحانية التقليدية لأعداد هائلة من الطلاب، بدلاً من تفرّغهم للبحث العلمي وتطوير المناهج. لا يرغب الشاب في العودة إلى سوريا بعد إكمال تحصيله، لأن الخدمة الإلزامية العسكرية تنتظره، إضافة إلى الوضع المعيشي السيئ. «أعود في حال القضاء على الفساد وفق منهج حكومي يعتمد التطوير الجدّي»، يقول. ويضيف: «كلّنا يحلم ببلد متجه نحو التطور بما يضمن حقوق كل الأفراد. يهمني أن أعود يوماً وأساهم في ذلك، من غير أن أساوم على حياتي أو عملي». فيما ترتبط العودة إلى سوريا من وجهة نظر زميلته بتول زلخة بـ«عاملين: أولهما مادي، فالرواتب في سوريا لا تتناسب مع متطلبات الحياة الكريمة». أما العامل الثاني، فمتعلق بـ «آلية إدارة الدولة ومواردها وإمكان الإنجاز في بلد يفتقر حالياً إلى أي رؤية بعيد المدى». تؤكد الشابة أن «من بذل كل الجهد لنيل أعلى الشهادات العلمية لن يرغب بتضييع ذلك في آلة بيروقراطية موسومة بالفساد وتفتقر إلى الشفافية. عندما تتوافر منظومة تهتم ببناء البلاد وتدعم الأفكار المبدعة، فأنا متأكدة من أن كثيرين سيفكرون في العودة».