نساء يطفن بين ركام دير الزور. نساء واحدتهنّ بآلاف الرجال، يعاينّ ما خلّفته «حرب الذّكور» من دمار، وينهمكن في ترحيل أنقاضه، في محاولة للأخذ بيد المدينة نحو قيامةٍ طريقُها طويل. نساء غيّرت الحرب حياتهنّ. خضن معركة كبرى مع ظروف قاهرة ومأساوية، كان من المفترض أن تكسر إرادتهن. لكنهن استطعن بعزيمتهنّ الاستثنائيّة تلقين الحرب درساً على طريقتهن. في خلال ثلاثة أشهر، نجحت النسوة العاملات تحت إشراف «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي/ UNDP»، في جمع 12338متراً مكعباً من الركام وترحيلها، في شارعي «سينما فؤاد» و«ستة إلا ربع». ونظّفن المحالّ التجارية الممتدة على طول الشارعين وتفرعاتهما، والمقدّر عددها بنحو 300 محل تجاري، إضافة إلى الشارع الممتد من «دوّار حمّود العبد» حتى «دوّار الرئيس». وشاركن في تنظيف «كنيسة الآباء الكبوشيين (اللاتين)» من الأنقاض والأتربة. «شغلنا بترحيل الدمار مو عيب، مو حرام، متلو مثل أي عمل تاني». تقول منى، إحدى النساء المشاركات في ترحيل الأنقاض، لـ«الأخبار». وتضيف بابتسامة يؤججها التعب: «حملنا الأنقاض في سبيل زرع الفرحة بقلب كل ديري ليعود إلى بيته». بحماسة، تؤكد السيدة التي انتصف عقدها الرّابع، قائلةً: «لما الإنسان يحط عينو بعين الله مافي شي يصعب عليه».

أما غادة، فلا تلتفت إلى تجاعيد يديها اللتين أشقاهما العمل. «لم تعد كلمة ديريّة هينة... المرأة الفراتية قوية أكثر مما تتصورين». لم تكمل منى تعليمها، «وصلت حتى مرحلة التعليم الأساسي»، تقول. وتضيف: «كنت حين أرى النساء الأخريات أتعجب منهن، ومن السر الذي جعلهن يحققن الإنجازات، لكن عندما عملت مع صديقاتي في ترحيل الأنقاض عرفت السرّ». على سطح أحد الأبنية المطلة على «كنيسة اللاتين» وخلال استراحة لا تتجاوز مدتها نصف ساعة تغني غادة الموليّا الفراتية «رمان صدرج (صدرك) ذبل، رشي عليه ميّة (ماء)». تشير بسبابتها نحو منعطف الشارع (حيث بيت أهلها)، تشهق وتقول: «آخخ ياريحة هلي». لحظات وتواصل حديثها: «لا أحس بالتعب أبداً، وأنا أعمل بين هذه الأحجار والأبنية المدمرة، على العكس تماماً أحس وكأنني في جنة من جنات الله». وعن التوفيق بين عائلتها وعملها، تقول: «لدي عشرة أولاد. أطبخ مساءً، وصباحاً أذهب إلى عملي. حتى أولادي يشجعونني على العمل». تختم حديثها: «ما قمنا به فخر لكل الديريات. واجبنا أن نتعاون مع الرجال لترجع الدير كما كانت وأحسن». حسن الفرج، أحد الأهالي المستفيدين من ترحيل الأنقاض، يقول لـ«الأخبار»: «إثر أول زيارة للحيّ فقدت الأمل بالعودة، ولكن بعد ما قامت به السيدات أصبح لدي أمل، وبدأت بإصلاح ما أمكن من بيتي على قدر استطاعتي». أما محمد الحسين، فيقول: «لمجرد التخيل يصعب في منطقتنا التفكير في وجود إناث يعملن في هذه المشاريع, لكنهن أثبتن أن إعادة الحياة إلى المدينة ليست حكراً على الذكور. كأن لسان حالهن يقول: نحن قادرات، نعم، نحن نستطيع».