تورّطت ذاكرة السوريين قبل «الأزمة» بمشهد دموي متكرر، وربما كان وحيداً، هو مشهد العنف الموجه إلى «الذبيحة الحيوانية». خراف تذبح في الأعياد والمناسبات، وسط طقوس واحتفالات. بعد «الأزمة» تورّطت ذاكرة السوريين بمشهد عنف جديد لم يعد وحيداً، لكنه كان فجّاً مرعباً مؤلماً: أصبح الإنسان السوري هو «الذبيحة». رؤوس مقطوعة معلّقة على أعمدة الكهرباء، أجساد مزّقها عنف التطرّف، ولم يخلُ المشهد من الطقوس والاحتفالات أيضاً.

مع انتهاء المعارك في دمشق وعلى أطرافها، وعلى عكس المتوقع، لم تتراجع أعداد الذبائح من السوريين ولا بدأ التعافي، بل إنّ العدد يبدو آخذاً في الازدياد. «الدوشكا» صمتت، لكن الحرب لم تسكت، مُنتجها بدأ يطفو على السطح، وشوارع العاصمة تقول إن النسبة الأكبر من سوريي الداخل لن يغمرهم الدم هذه المرة كي يكونوا «ذبيحةً للغد»، بل ستغمُرهم الفرجة، وأيّة فرجة؟ الفرجة على أنفسهم وهم «يلتهمون أنفسهم». ها هو عدنان، الفتى اليانع، يفكر جديّاً في الأمر: «أفكر في أن ألتهم نفسي بأن أعتزل عقلياً وعاطفياً، انظري إلى شوارع الشعلان والعابد والحمرا وأبو رمانة ومحالها ومطاعمها. أشعر في العمق بأنها ليست لي، بلاط شوارعها لم يُرصف لي، والشارع العام تحول إلى شارع خاص لفيميه السيارات الفارهة بنمرها السورية وسواها. زعران يمطّون رؤوسهم خارج نوافذها لتقيؤ ما بقي من غنائم الحرب، مشاهد البطر والبذخ المُبتذلة تجعل منا نحن البسطاء المتجولين حواجز تعرقل حركة مرور الاستعراض والبريستيج والتقاط الصور. أغاني النصر التي تخرج من تلك السيارات تدفع حزن الفقراء إلى إنزال خماره على وجهه خجلاً».
«لا قدرة لدي على الانتحار الجسدي»، يقول أسامة، ويضيف: «ليتني أجرؤ، لا أمتلك الشجاعة. كل هذا يحدث أمام أعيننا، وما النتيجة؟ شيء وحيد يجمع السوريين بعد ثماني سنوات أزمة: نحن مجرد جمهور سلبي عاجز ومتفرج، لا حول لنا ولا قوة. نجلس أمام الكيبورد، نتلقّى مزيداً من طلبات الصداقة على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما نحن عاجزون في الواقع عن تقبل طلب الحياة للاستمرار في العيش. غرباء عن أنفسنا وأهلنا، غرباء في شوارعنا، وغرباء عن شامنا. الشام التي كانت فخورة بزمنها وزمن أبنائها قبل أن تتحول إلى مجرد تجمّع سكاني». واختصر سوري مُسنّ حال البلد بجملة أطلقها وهو يصعد سرفيس «مهاجرين ــ باب توما»، قال بغضب ممزوج بالقهر: «يلعن الأمة اللي بدكن تنصروها».
هي «دمشق الأولى» كما يراها البعض، دمشق التي وُلدت وعاشت قبل الحرب. فيما يتحدث آخرون عن «دمشق الثانية» المولودة بعد الحرب، التي تقول عنها ناتالي: «شام ما بعد الحرب مو إلنا، هي الشام الجديدة ما بتشبهنا. دمشق بدأت تتعالى على أهلها».
كانت سما، الفتاة الريفية، مُحقّة عندما تحدثت عن المدن المتعالية: «ذهبت إلى بيروت أربع مرّات، لكنني لم أستطع أن أبادلها الحب. شعرت كم هي متعالية، باردة. وكلمة باردة أُطلقها على المدينة التي لا تعطف على الغريب، ولا تحني رأسها للفقير. إذا لم تمتلكِ الكثير من المال فلا مكان لك فيها، تتحول المدينة إلى زوجة أب متسلّطة تطردك ما إن تقترب من حدودها. بات الحال في دمشق بعد الأزمة يشبه كثيراً حال شقيقتها بيروت، يبدو أن زمن التغريبة السورية الجديدة قد بدأ في عاصمة الشمس والمشمش».
لبابل، الفتاة «المعجوقة بحالها» غربتها أيضاً. تقول: «مرة كنت على موعد مع صديقي، طلبت منه أن يأخذني إلى مكانٍ فيه روح ودفء. ضحك وأخذ المعنى من زاوية عُمر المكان وحضارته. لكنني عنيت شيئاً مختلفاً تماماً، وبعيداً عن قصة الحضارة والتاريخ». تضيف بابل: «عنيت أنك في محال الشام القديمة ما زلت قادراً على الجلوس في مقهى النوفرة من دون أن تفقد كرامتك وإنسانيتك. تستطيع بشجاعة أن تنادي "الغرسون" مرة ثانية لتطلب شيئاً إضافياً، من دون أن تطيل النظر إلى القائمة. ما زلت قادراً على العبور في حيّ القيميرية وشراء "كرواسان" وقطعة بيتزا، والسير مع الجموع الغفيرة على بلاطة رُصِفت خصيصاً لك، وتشعر معها بأنك ما زلت متساوياً مع بقيّة الخلق، ولا شعور لديك بالغربة. تلك الغربة التي تجتاحك عندما تدخل مول "الشام سيتي سنتر"، وتخرج منه عارياً إلا من سؤالٍ وحيد: ما الذي أتى بي إلى هنا؟ هذا المكان ليس لي».
«الشام من زمان مو هون، بتلاقيها مخباية بصور الأسود والأبيض المضبوبة بكراتين مغبرة». عبارة كتبتها إحدى السيدات في تعليق لها على صفحتها على «فايسبوك». هي عبارة أقرب إلى النعية، لكنها نعية رشيقة القدِّ والحزنِ والجمال، تفوح من جسدها رائحة «دمشق الأولى».