رفعت في ما مضى من حياتي شعار «لا لمحاسبة فقير لمصلحة فقير آخر». لذلك لا أتجادل مع العمال المتخاذلين أو الموظفين المرتشين أو السائقين الطامعين، فهم يسرقون ليرات بسيطة لأن الفاسدين الكبار بسرقتهم الملايين أجبروهم على ذلك.

قبل أيام صرخت على سائق الباص. لم أفعلها سابقاً، لكنه استمر في فتح الباب لحمل أكبر كمية ممكنة من «اللحم» الذي سيقبض عليه ليرات قليلة، ثم صرخ عالياً: «اللي ما دفع يدفع».
إلى جواري سيدة في العقد الخامس من عمرها، تحمل بيدها اليمنى ظرفاً بني اللون، كتب عليه «صورة أشعة»، وبيدها اليسرى تسند ابنها العشريني. طلبت السيدة من الابن الركون إلى أحد الأعمدة الصفراء في الباص الأخضر، وسارعت إلى انتشال مئة ليرة من جيب «المانطو» الكحلي الذي ترتديه، ثم مدت يدها باتجاهي لأمرّر النقود إلى السائق. لم أستطع تمالك نفسي، وخنت وصيّتي. فجأة سمعتُ صوتي يتردد بين أكوام الناس من حولي: «ما حدا يدفع. ما حدا جبر الشوفير يكبسنا هالكبسة. مو ناقص غير اللي معلقين بالباب يدفعوا. الله لا يشبعو... خالتو ردّي مصاريك ما حدا رح يدفع». وبالفعل، عادت الخالة إلى عملها الطارئ في الحرب كعكازة لابنها الفتي.
لكن كيف لي أن أصرخ على الفاسد الصغير وأنا غير قادرة على الصراخ في وجه الكبير؟ وكيف أحبس صرختي من دون أن أنفجر؟ وكيف أكتب عن الحيتان الكبيرة اليوم، ونحن مقيّدون بعشرات القوانين التي تجرّمنا إذا ما رفعنا ورقة بيضاء، ونُتهم بالعمالة إذا ما أمسكنا قلماً، وبـ«وهن نفسية الأمة» إذا ما نطقنا، وبـ«التقليل من شأن النصر العظيم» إذا ما اشتكينا؟
كيف انتقلنا من «الحرب الواضحة مع الإرهاب» إلى «الحرب الباردة مع المواطن»؟ كيف تكون المنتصر والمهزوم في الحرب ذاتها؟!
عندما تُحرَم الحاجات الأساسيّة والصغيرة الواجب توافرها من دون السؤال والبحث والنبش عنها، وعندما تُحاصر بالبرد والحليب والغاز والكهرباء والعملات التالفة والأخرى العائمة، عندما تصبح مدارسنا مرعى لأجيالنا مجرّدة من كل قيمة أخلاقية وعلمية، عندما يصبح حديثنا عن الكتب والأفلام ترفاً لا نستحقه، والحب إثماً لا يجب اقترافه، عندما نتعوّذ من ضحكاتنا، ونفرح بعودة الكهرباء، عندما تبتهج إنجاز معاملة من دون رشوة الموظف، أو بوجود أستاذ «بيفهم» في المدرسة أو الجامعة، أو بالحصول على حصّتك من المازوت قبل انتهاء الشتاء، أو بتأمين الحليب لطفلك الرضيع، عندما تشعر بالسعادة مقابل تلك الأشياء البسيطة، في تلك اللحظة فقط تدرك أن الحرب قد نالت منك من روحك وعقلك، وليس بالضرورة من جسدك أو صحتك. ومع الوقت تكتشف أنك تتحول إلى وحش صغير، تحاول النيل من زميلك في العمل، ومن جارك، ومن صديقك. وحش يعيش ليأكل ويشرب وينام، من دون أحاسيس، ومدرّع بجلدٍ سميك ضدّ الإهانات.
تصرخ على كل من حولك، وتبرر لنفسك أنك مضطر إلى القيام بذلك، فذنب القهر الذي تعيشه اليوم ليس ذنبك. أنت صبرت وحاربت وأُنهكت وانتصرت، وسلمت الشعلة للمسؤول الواقف في خط النهاية، إلا أنه لم يحسن الإمساك بها، فأحرق بها يدك، ولم تبالِ. لكنه لوّث كُمّ بذلته السوداء، فغضب كثيراً، ونفخ تأففاً، فأطفأ «شعلة الانتصار».
كان عليك أن تصرخ عندما أحرق المسؤول يدك، لأنه في المرة القادمة سيتصرّف وكأن تطاوله على حقوقك بات شيئاً من المُسلمات. هذه نتيجة السكوت إذاً: تتحول إلى وحش صغير بلا حقوق.