يستمرّ الهوس الحكومي بالاستيراد، بوصفه «مُسكّناً» لحل معظم المشكلات. المصيبة أننا في كثير من الأحيان نُصدّر ما نحتاج إليه سعياً وراء تأمين القطع الأجنبي. ثمّ نستورد ما نملكه (لأننا لا ندعم الإنتاج) فنهدر أضعاف ما حصّلنا من القطع الأجنبي! ثم نستغرب ارتفاع الأسعار المستمر وتدهور سعر الصرف المستمر!

في فترات سابقة، كان المبرّر الحاضر دائماً هو «الحرب التي تعيق عمليات الإنتاج»، أما الآن فالمعوقات تنحصر بالتعنت الفردي وبعض المصالح الشخصية. فلنأخذ مثالاً أحدث الأزمات التي عاشها الشارع السوري، وهي «أزمة حليب الأطفال». تحتلّ سوريا المرتبة 70 (من أصل 218) على لائحة الدول الأكثر استيراداً للحليب المجفف، بقيمة تناهز 70 مليون دولار سنوياً، وفقاً لـ«World top exports»، المنظمة الإحصائية المنبثقة عن منظمة التجارة العالمية. يوجد في سوريا مصنع وحيد لإنتاج الحليب المجفف للأطفال، يقع في طرطوس، وبطاقةٍ إنتاجيّة ضئيلة لا تتجاوز نصف طنّ يوميّاً، فيما تزيد حاجة البلاد على 10 آلاف طن سنويّاً. اللّافت أنّ محافظة حمص كانت قد شهدت إنشاء مصنع لإنتاج حليب الأطفال والمتممات الغذائية للطفل، وبعد تركيب الآلات التي كلفت ستة ملايين دولار، والاستحصال على تراخيص وزارات الصحة والصناعة والتجارة، عُرقِل المشروع بسبب «مشكلة شخصيّة»! ما حرم السوق السورية من طاقة إنتاجية تصل الى ثلاثة أطنان حليب أطفال مجفف يومياً (ليست كافية لسد الحاجة، لكنها كفيلة بسد جزء منها). لمصلحة من يحدث ذلك؟ لا يبدو أنّ الإجابة تحتاج الى ذكاء كبير، فـ«الحيتان» حاضرون دائماً، و«المصادفات» تخدم مصالحهم دائماً!
الأزمات الخانقة ثانياً هي أزمة الغاز المنزلي. تُنتج سوريا 4.3 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويّاً، ولا تُصدر منه شيئاً. تستهلك 4.9 مليارات متر مكعب، وتستورد 249 مليون متر مكعب لتغطية الفجوة. المفارقة أنّ البلاد تمتلك احتياطياً يُقدّر بـ 240 مليار متر مكعب (وتأتي في المرتبة 42 عالميّاً)، وبرغم ذلك فهي تعجز عن تغطية حاجتها، بسبب غياب السعي الجدّي إلى زيادة إنتاج الغاز بالعموم، والغاز المنزلي. لا تختلف الحال كثيراً في ما يخص المنتجات النفطيّة المكرّرة، تستهلك سوريا 140 ألف برميل يومياً، تُنتج 111 ألف برميل يوميّا، تُصدر ما متوسطه 12 ألف برميل يوميّاً، وتستورد لتغطي العجز ما يقدر بـ 41 ألف برميل يومياً. على أرض الواقع، هناك قدرة على زيادة الإنتاج بمقدار 3 أضعاف، إذا ما فطنت الحكومة إلى ضرورة صيانة أعطال المصفاتين (حمص وبانياس) وخطوط إنتاجهما، وتكثيف الجهود لتوجيه الاستثمار الوطني لهذه القطاعات لحل الأزمة جذرياً. هل سيطلع علينا من يقول إنّ «الصيانة تحتاج إلى مستلزمات لا نقدر على توفيرها بسبب العقوبات»؟ طيب كيف أوجدنا حلولاً لتأمين مستلزمات المعارك العسكرية برغم العقوبات؟ ولماذا «نعجز» عن إيجاد حلول لتأمين مستلزمات الصيانة لإعادة التوازن للسوق المحلية وتلبية حاجات الناس الأساسية؟
الطامّة الكبرى أنّ الأمر لا يقتصر على ما تقدّم، بل يتعداه إلى كثير من السلع الضرورية. فلنتأمّل «النكتة السمجة» الآتية: يقول «أطلس اقتصاد العالم 2018» الصادر عن «جامعة هارفارد» إنّ أكبر ما تصدره سوريا هو الخضروات بنسبة 43% من إجمالي الصادرات. (طبعاً يعني ذلك ارتفاع أسعارها في السوق المحليّة). في الوقت نفسه، تشكل الخضروات نسبة 14% من المستوردات السوريّة، وللأصناف نفسها، ولكن بأسعار أعلى!
هل يمكن أحداً إخبارنا كم مرة عاشت البلاد هذا السيناريو؟ نُصدّر ما نحتاج إليه، يحدث خلل في السوق المحلي بسبب عدم التوازن بين الطلب والعرض، تنشأ سوق سوداء توفر المادة المفقودة بسعر مضاعف. تتحرّك الجهات المعنيّة، وتجد الحل باستيراد المادة المفقودة، ويُنقذنا المستورد (لا نستغرب أن يكون هو نفسه المُصدّر، وهو نفسه راعي السوق السوداء). ثم تتوافر المادة، ولكن بسعر أعلى لأنها مستوردة!
نحن باختصار لا نسعى إلى تشجيع المستثمرين على إنشاء مصانع (حليب الأطفال مجرد مثال) بل نعرقل عمل من يقوم بذلك، ثمّ نلهث وراء الشحنات المستوردة. نعوم على بحار من الغاز ونستورد الغاز، ونضغط على المواطنين لـ«تخفيض الاستهلاك». نُصدّر الكهرباء، ونقطعها عن المواطنين. نغضّ النظر عن أعطال المنشآت النفطيّة، ونهدر القطع الأجنبي لتعويض النقص. والأنكى أننا لا نجد الحل إلا عند «حيتان الاستيراد»! هذا (إذا افترضنا حسن النيات) يمكن أن ندعوه «اقتصاد كل يوم بيومه»، أو باللهجة الدارجة «تمشاية الحال»!