ما زالت نظرات أبو علاء تحتفظ بالحسرة التي رآها العالم في عينيه بعد صورة شهيرة انتشرت له وهو ينتظر في «صالة الفيحاء» بدمشق خبراً عن ابنه ضياء لايقة، الضابط المخطوف منذ أواخر عام 2012 في «مزارع الريحان» قرب دوما. كان منسوب الأمل لدى أبو علاء في ذروته بعد هدوء المعارك في الغوطة الشرقية وركوبها قطار المصالحات، وسط تواتر الأحاديث عن وجود أربعة آلاف مخطوف في سجون دوما. افترش أبو علاء الأرض يومين عند «معبر الوافدين»، خرجت حافلتان تحملان عشرات المختطفين، ولم يكن ضياء من بينهم. المفاجأة كانت أن «لا مختطفين آخرين سيخرجون»، لتتحوّل ستّ سنوات من عمر أبو علاء إلى دمعة رصدتها الكاميرات وأصبحت عنواناً للخذلان. عاش الأب إثر ذلك حالة صدمة عامين كاملين، ثم قرّر فتح دكان صغير في قريته «بكسا» في ريف اللاذقية. تقتصر محتويات الدكان على بضعة صناديق من الخضار لا تسدّ أبسط متطلبات الزبائن، لكنّها تفي بغرض الرجل الذي أراد الاستعانة على ثقل الوقت فحسب. «صحيح أن العمل في النهار خفف من وطأة الانتظار، لكن الليل كفيلٌ بالتعويض»، يقول أبو علاء لـ«الأخبار». يستذكر الأب المفجوع الفترة الأولى بعد اختطاف ابنه، قائلاً: «اتصل بي أحد الأشخاص مطالباً بستة ملايين ليرة مقابل عودة ابني، وافقت وقررت استدانة المبلغ، لكنه طلب إرسال المال قبل إطلاق سراح ضياء بيومين». رفض الرجل الرضوخ لهذا الطلب نتيجة سماعه عن حالات مشابهة انتهت بالاحتيال على أهالي مختطفين آخرين. لم يكفّ أبو علاء عن طرق أبواب العاصمة بحثاً عن طرف خيط، لكنه لم يجد في السجلات العسكرية سوى اسم ضياء في قائمة طويلة مكتوب في أعلاها «المفقودون». يقول الرجل الستيني: «صحيح أنني أنهكت، لكنني لن أفقد الأمل». تُقلِّب أم المخطوف ضياء يومياً جميع صور الحافلات التي انتشرت عند خروجها من الغوطة الشرقية. تدقِّق في وجوه تُظهرها الصور عبر نوافذ الحافلات، وتشبّه أحدهم بولدها. تقول: «لعلّه خرج مع المسلحين إلى إدلب وهو حي الآن»، وتضيف: «مستعدة لانتظار عودته كل العمر». يؤكد الأب أن ابنه كان مضرب مثلٍ في الشجاعة، وينقل عن أحد الجنود الذين خاضوا معه المعارك في مزارع الريحان أنّ «الملازم أول ضياء أنقذ حياتي عندما أُصبت وبقيت أنزف وحيداً، لكنه زحف نحوي وسحبني إلى مكان آمن».


خطوبة لم تتم
حال أم بشّار ليست أفضل من حال أم ضياء، فهي أيضاً تنتظر خبراً عن ولدها الذي اختُطف في «مطار الطبقة العسكري» عند سقوطه بيد تنظيم «داعش» قبل أكثر من أربع سنوات. تقف السيدة يومياً عند زاوية الحي، في المكان ذاته الذي طالما انتظرت فيه ابنها عائداً في إجازة، وتقول لـ«الأخبار» إنّ «بشار ولدي البِكر، كانت إجازته التالية موعداً لإتمام خطوبته، لكنه لم يعُد حتى الآن».

في انتظار «الشقيق الابن»
قبل أكثر من ثلاث سنوات، وتحديداً في شهر أيار من عام 2015 مع إخلاء «مشفى جسر الشغور» في ريف إدلب بعملية عسكرية معقدة، انقطعت أخبار الطبيب باسل إسماعيل، اختصاصي الجراحة العينية. كان باسل قد فُرز إلى المستشفى بعد أيام من التحاقه بالخدمة العسكرية، وسرعان ما اختفى وعجز أهله عن معرفة أي معلومة حول مصيره. «ربّيت باسل منذ صغره، لذلك أعتبره ابني قبل أن يكون أخي»، تقول شقيقته هيفاء لـ«الأخبار». عاشت العائلة مع الشائعات سنوات، «لا يمرّ يوم من دون رؤيته في المنام، ثم أستيقظ ولا أجد سوى الدموع بانتظاري»، تقول شقيقته التي تنتظر «دخول الجيش إلى ادلب لعلّ خبراً ما يبدّل حياتي التي تحولت إلى جحيم بسبب غيابه».