قبل الحرب بسنوات نزح كثير من أبناء المنطقة الشرقيّة في سوريا عن قراهم بسبب الجفاف. تفرق النازحون بين مختلف المحافظات، وسرعان ما شكّلت بعض مخيماتهم «قرى جديدة» غير مسماة ولا موضوعة على الخرائط الإدارية. لا يفكر معظم المتمركزين على أطراف العاصمة بالعودة إلى قراهم على رغم أنهم لم ينجحوا في «كسر الحواجز» مع محيطهم البديل، وعلى رغم ظروفهم المعيشيّة الصعبة.

لم تكن فتون تتوقع أنّ غيابها عن قريتها في ريف الحسكة الجنوبي سيستمر كلّ هذا السنوات، لكنها «تشكر ربّها» أنّها لم تكن في المنطقة في فترة «تمدّد داعش». في العام 2009 غادرت الفتاة وأسرتها القرية القريبة من نهر الخابور إثر سنوات الجفاف التي ضربت المنطقة، واستقرّ بهم المقام في ريف دمشق للعمل في الزراعة، المهنة الوحيدة التي تتقنها الأسرة المكوّنة (وقت النزوح) من ثمانية أفراد. كبرت تلك الأسرة وهي تعمل في مزارع البندورة والبطاطا جنوب دمشق، وتحوّلت الخيمة المصنوعة مما تيسر من أقمشة إلى مجموعة خيام، قبل أن تحصل الأسرة على قطعة أرض صغيرة تمكنت من بناء بيت فوقها من الطين والخشب، شبيه بالبيوت التي كانت تشكل القرية الأم.

«لن نعود حالياً»
سكن كثير من «أبناء الشرقيّة» النازحين بسبب الجفاف في محيط العاصمة، وريفي درعا والقنيطرة الشماليين. وحتى اليوم، لا تبدو العودة إلى قراهم خياراً مطروحاً عند معظمهم. يتعلّق الأمر بـ«لقمة العيش» التي هاجروا من أجلها أساساً، فالزراعة ترتبط بعوامل الأمان، وزراعة القمح والشعير في خلال السنوات الماضية كانت مقامرة لكثير من الأسباب، أهمها احتمال احتراق المواسم بفعل المعارك، وعلى رغم ذلك أقدم عليها البعض. يؤكد أحمد أنّ الرحيل عن القرية كان أحد الأسباب التي مكّنته من متابعة دراسته الجامعية. يوضح الشاب لـ«الأخبار» أنّ بلدته (الشعفة، ريف دير الزور الشرقي) التي ما زالت تحت سيطرة تنظيم «داعش» هي «واحدة من القرى التي نُهبت مواسمها على امتداد سنوات الحرب». حاولت أسرة أحمد تأجير الأرض التي تمتلكها على ضفاف نهر الفرات لكنّ جهودها باءت بالفشل، فالتنظيم المتطرّف يعدّ أفراد الأسرة «كفاراً» لأنهم يعيشون خارج مناطق سيطرته، ما يعني أن الأرض جزء من ممتلكات التنظيم وفقاً لـ«قواعده الشرعية» التي فرضها على السكان. حتى في حال انتقال المنطقة إلى سيطرة «قوات سوريا الديموقراطيّة» فالعودة «لن تكون آمنة. عدم وجود الدولة السورية ومؤسساتها يعني أن الأمان مفقود، والعودة مغامرة» يقول.

الأمية «ثمن لقمة العيش»
تقول ميادة إن «زراعة البطاطا والملفوف والقرنبيط، مسائل تعلمناها في المزارع التي عملنا فيها بقرى جبل الشيخ ودرعا. لم نتعوّد زراعة هذه المحاصيل في قرانا بريف الحسكة عموماً». سرعان ما يتعلم الفلاح أصول زراعة أي صنف، لكن هذا «التعلم» تناسب في شكل عكسي مع ازدياد مستوى الأمية بين أبناء «الشرقية». وينخرط معظم الأطفال (خصوصاً الإناث) في العمل مع ذويهم في الحقول أو في رعاية المواشي، ومن النادر أن تجد «أبناء الخيام المزركشة» يرتادون المدارس. لا توجد عوائق إدارية تمنع الراغبين من تدريس أولادهم، المشكلة تكمن في حاجة الأهل إلى استثمار أكبر عدد من الأيدي العاملة لتحقيق أفضل دخل شهري ممكن، فالأعباء المادية كبيرة، لا سيما في ظل الحاجة إلى إبدال الخيام بمنازل (مستأجرة أو مملوكة). لا يخلو الأمر من حالات تفوق دراسي لافتة، ومن بينها علياء التي تدرس الطب في سنته السادسة بجامعة دمشق. لم تخبر علياء أحداً من زملائها عن الخيمة التي كانت تدرس فيها قبل امتحانات الثانوية العامة في العام 2012.

لا تبدو العودة خياراً مطروحاً عند من غادروا بحثاً عن «لقمة العيش»


لا يمكن الحصول على رقم دقيق لعدد الأميين الجدد بفعل الهجرات الداخلية في سوريا، أو بفعل النزوح الذي تسببت به الحرب. كذلك؛ يصعب الحصول على إحصاءات دقيقة لـ«عمالة الأطفال». وثمة حاجة ملحّة إلى خطط حكوميّة جادّة لإحصاء ومعالجة هاتين الظاهرتين اللتين تسبب بهما الجفاف أولاً، ووسعت الحرب خريطتهما وزادت أرقامهما.

«الاندماج الصّعب»
تختلف لهجة «أبناء الشرقية» عن لهجات جيرانهم في المناطق التي نزحوا إليها. نشأت علاقات مصاهرة (محدودة) بين الطرفين، لكنّ اندماج العادات لا يزال في حده الأدنى. يقول خليل: «تزوجت فتاة من منطقة دوما. حصل خلاف كبير مع أهل زوجتي حول شكل العرس، إذ طلبوا إقامة حفلين: واحد للنساء وآخر للرجال، كان ذلك بعيداً من عاداتنا، فأعراسنا في المنطقة الشرقية مختلطة». رُزق خليل بأربعة أولاد، ويقول لـ«الأخبار» إنهم يتكلّمون لهجتين مختلفتين «مع أمهم وأخوالهم يتكلمون بلهجة أهل دمشق، ومعي وأهلي يتكلمون بلهجتنا، الأمر يشبه المتزوج من أجنبية تقريباً». ثمة اختلاف أيضاً في الأغاني المستخدمة في الأعراس. خديجة التي تزوجت أحد أبناء قرية سعسع (ريف دمشق الجنوبي الغربي)، تقول لـ«الأخبار»: «لم أفهم كلمة من أغنيات عرسي. شعرت أنني غريبة وسط أهل زوجي، يرقصون ويدبكون بطريقة تختلف عنا».

«لسنا قرباطاً»
«النظرة الناقصة» إلى أبناء الشرقية من قبل أبناء المناطق التي نزحوا إليها، هي أكثر ما يثير غضب أبو علي. ودأب معظم أبناء هذه المناطق على إلصاق صفة «النّوَر» أو «القرباط» (تسميتان تُطلقان على الغجر) بنازحي المنطقة الشرقيّة. يقول الرجل الستيني لـ«الأخبار»: «سكان المنطقة يتجنبون الاختلاط بنا لخشيتهم منا، فما يُحكى عن القرباط غير مستحب». وتسيطر على الأذهان فكرة مُستعلية تجاه الغجر، وتُلصق بهم «مهنُ» الخطف والسرقة والدعارة، على رغم عدم وجود أدلة قاطعة تُثبت كلّ ما يروج من روايات.
وبالمثل، يذهب الكثيرون إلى توصيف أي مخيم في أطراف العاصمة على أنّه «مخيم قرباط»، الأمر الذي يثير انزعاج معظم أبناء الشرقية الذين يفاخرون بانتمائهم إلى عشائر عربية تعود أصولها لما قبل الإسلام غالباً.