خلّفت القذائف والصواريخ الأميركية جراحاً لن تندمل في أجساد الرقّيين، وإعاقات دائمة ستبقى شاهدة على «الديموقراطية» الأميركية في سوريا، كمثيلاتها من الشواهد في أفغانستان والعراق وليبيا... وتطول القائمة. آلاف الضحايا من المدنيين حوصروا لأشهر تحت القصف، بعد خروج أمراء «داعش» آمنين مع عائلاتهم، فيما بقيت جثث وأشلاء الآلاف من أبناء المدينة متناثرة في الشوارع تنهشها القطط والكلاب الشاردة.

أثناء الخروج من مدينة الرقة، تسلّل أفراد العائلات المحاصرة تباعاً وهم يحتمون بالجدران المتداعية للخروج من أحياء المدينة، التي قصفتها طائرات «التحالف الدولي» بقيادة قوات الاحتلال الأميركي، وانهالت عليها قذائف مدفعية «قوات سوريا الديموقراطية» من ثلاث جهات. حاول أحمد الخروج مع أفراد عائلته بعد أن تنقلوا من بيت إلى آخر في أحياء الرقة المستهدفة، خلال المعارك التي استمرت لأشهر. قرب مدرسة الفاروق، داخل أسوار «الرافقة» القديمة، استهدفت طائرة أميركية مدنيين كانوا يسعون إلى مغادرة المدينة باتجاه الشمال، فقُتل وجُرح بعضهم ونجا آخرون، وكان من بينهم أحمد الذي أُصيبت زوجته ووالده بشظايا القذائف. فارق والده الحياة على الفور، بينما بُترت ساق زوجته، فحملها محاولاً الخروج بها من منطقة القصف والوصول بها إلى أقرب نقطة آمنة، تاركاً خلفه جثة والده وساق زوجته في المكان. ليعود بعد أيام من انتهاء المعارك ووفاة زوجته متأثرة بجراحها، إلى البحث عنهم في المقابر الجماعية، محاولاً التعرف على جثة والده من خلال وشم على ساعده، غير أنه لم يجده حتى الآن.

شهود الموت الأحياء
تخرج محمود الحمود في كلية التربية في الرقة، وحصل على وظيفة في سلك التعليم، إلا أنه أخفى شهادته الجامعية مع صورته في حفل التخرج بعيداً عن أعين الوشاة. بعد سقوط المدينة في يد تنظيم «داعش»، عمل مربياً للأغنام يساعد والده في تجارة المواشي، وقضى ثلاث سنوات في هذا العمل حتى كاد ينسى مناهج التعليم. أصيب محمود (29 عاماً) بشظايا قذائف متفجرة عند محاولته الخروج من الرقة مع أهله، خلال العدوان الأميركي على المدينة قبل عام؛ فقد بصره على إثر الإصابة التي تعرض لها، وصار عالةً على أهله الذين كانوا يأملون أن يكون معيلاً لهم بعد أن أنهى دراسته الجامعية، وبدأ يُدرّس في مدارس الرقة. أنفق أهله الكثير من المال على علاجه في المستشفيات في محاولة لإعادة النور إلى عينيه، لكن من دون جدوى. فوجد محمود نفسه يجلس في عتمة الحياة يحاول تلمس طريقه بيديه، معتمداً على ذاكرته التي تحفظ الأماكن المحيطة داخل بيته في حي المشلب.

الأميركيون والمتعاونون معهم يمنّون على من بقي حياً بـ«التحرير»


لا تختلف حال الشاب منهل (22 عاماً) عن حال محمود، فقد كان يقف أمام بيته حين أغارت طائرة أميركية على حي رميلة فقتلت سبعة أشخاص من جيرانه، وأُصيب بشظايا أفقدته بصره وأقعدته في منزله. لم يعد في وسع منهل متابعة عمله في ورشات البلاط التي كان يشرف عليها قبل إصابته، ولم تنجح الديموقراطية الأميركية في أن تعيد إليه نعمة البصر التي فقدها. يقول منهل في حديثه إلى «الأخبار»: «ليتني متّ مع جيراني الذين قضوا في تلك الغارة ولم أبقَ حياً بعد أن فقدت عيني، فالموت أسهل بكثير من البقاء على قيد الحياة من دون بصر».
سمع إبراهيم صوت انفجار قريب، فخرج مُسرعاً ليجد جثة والده مع ابن عمته أمام المنزل. كان والده يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاول النطق، إلا أن كلماته خرجت غير مفهومه. بين يدي إبراهيم، فارق والده الحياة، بينما كانت النار تشتعل في جسد ابن عمته؛ وبعد لحظات فقط سقطت قذيفة أخرى قربه، فغاب عن الوعي. يقول الشاب لـ«الأخبار»: «رأيت والدي ممدداً على الأرض وقربه النار تلتهم جسد ابن عمتي، وكان ذلك في شهر رمضان، وبعد لحظات فقط دوى صوت انفجار ولم أعد أشعر بشيء بعدها، حتى استيقظت فوجدت نفسي على سرير في المستشفى، لكن بلا ساقين».

لا إحصاءات رسمية
يعالج أهالي الجرحى إصاباتهم على نفقاتهم الشخصية. لم يبق لديهم شيئاً من مدخراتهم، فمن لم يُفجع بأحد أفراد عائلته، هُدم بيته ونُهبت ممتلكاته في ظل الفلتان الذي شهدته أحياء المدينة. ولم يحصل الأهالي على تعويضات «الديموقراطية» الأميركية، ولا يبدو أنهم سيحصلون عليها. فالأميركيون والمتعاونون معهم في الرقة يطالبون من بقي حياً من المدنيين بأن يكونوا ممتنين لهم لأنهم ضحوا بالكثير من المقاتلين لـ«تحريرهم» من نير «داعش».
لا يُعرف حتى اللحظة العدد الرسمي لضحايا العدوان الأميركي على الرقة، ولا توجد إحصاءات رسمية توثق مئات، وربما آلاف الحالات، في مختلف أنحاء المحافظة، وليس من السهل جمعها وتوثيقها. تؤكد مصادر في «مجلس الرقة المدني» في حديث إلى «الأخبار»: «لا يوجد إحصاءات رسمية حتى الآن لعدد المصابين، ولهذا الغرض ألّف المجلس لجنة متخصصة لإحصاء عدد الضحايا في المدينة، ويقوم أعضاء اللجنة بجولات وزيارات رسمية لأهالي الضحايا في محاولة لتوثيق أعداد المدنيين الذين أصيبوا بالقذائف خلال محاولتهم الخروج من المدينة، أو بعد عودتهم إلى بيوتهم، وأصيبوا بانفجار الألغام». وتضيف قائلةً: «ليس كل المصابين من ضحايا قوات التحالف، إنما العدد الأكبر أصيب بانفجار ألغام زرعها عناصر داعش، في مختلف بيوت المدينة وأحيائها، خلال استعداده للمعركة، وراح ضحيتها عدد كبير من المدنيين».
تراجيديا الموت هذه ليست مشهداً سينمائياً أو تلفزيونياً، بل هي حقيقة عاش الرقّيون فصولها في كوابيس الحرب الأميركية التي استهدفت مدينتهم من دون وضع أي اعتبار لآلاف المدنيين الذين ما زال بعضهم يبحثون عن بقايا أطرافهم وجثث أقاربهم تحت أنقاض المدينة المُدمرة.