لا يزال القطاع العام الاقتصادي في سوريا صامداً، تسانده خسارته ونتاجه المتراجع ونسب تنفيذه المستمرة في الهبوط. مناقشة الشركات لموازنتها الاستثمارية والجارية للعام المقبل مستمرة أيضاً. مديرو الشركات يعلمون أنها خاسرة ويعترفون بأنهم يخططون لتجديد الخسارة، مع ذلك، لا مشكلة في ذلك طالما أن شركات القطاع العام ومن خلفها الحكومات المتعاقبة تستمر في ترديد شعارات من نوع «نقطع اليد التي تمتد إلى القطاع العام»، و«القطاع العام مقدس»، والحجة الجاهزة لذلك هي حماية العدالة الاجتماعية ومن خلفها حماية الأفواه الجائعة المستمرة بقضم مزيد من أرصفة المدن وشوارعها. حجج الحفاظ على الملكية العامة تعود إلى زمن الديناصورات؛ هو نفسه الزمن الذي أقامت فيه جميع أنظمة السوق (الرأسمالية المتوحشة) شبكات للحماية الاجتماعية، وضمنت من خلالها حماية حقوق الناس بدلاً من إصرارها على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. في سوريا، لا تزال العقلية المتحكمة ببنية اقتصاد البلد مصرّة على أن استمرار القطاع العام بحالته الراهنة هو صمود رغم الخسارة، وهو في الحقيقة استنزاف المستنزف أصلاً بدلاً من تحويل الضائع إلى فرصة للاستثمار.

في هذا الإطار، لامس الباحث في «جمعية العلوم الاقتصادية» الدكتور أيهم أسد، جانباً مهماً في بنية القطاع العام الاقتصادي وقدّم بحثاً عميقاً رصد فيه التحولات التي طرأت على هذه البنية خلال فترة زمنية امتدت 17 عاماً من عام 2000 حتى 2018. خلال هذه الفترة، تغيرت بنية المؤسسات الاقتصادية من الجامدة المتوافقة مع النهج المركزي الشديد للدولة والنمطية الثابتة للمؤسسات الاقتصادية العامة، والتي لم تحاول خلالها الحكومات المتعاقبة كسر رتابتها بأنماط مؤسساتية جديدة (1963-1999)، إلى بنية شبه مرنة شهدت تحولاً إلى نماذج مؤسساتية جديدة مع تراجع تدريجي لدور الدولة المركزي (2000-2009)، ومن ثم إلى مرحلة المرونة الأولية للبنية المؤسساتية للقطاع العام الاقتصادي والتي بدأت فيها الحكومة بتأسيس وطرح أشكال مؤسساتية جديدة بالمطلق (2010-2017). أما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة العام 2018 وهي المرحلة المفتوحة على احتمالات تغيير كبيرة كونها ترتبط بسياسة إعادة البناء. رافق هذا التغير ظهور أشكال جديدة، تضمنت الهيئات العامة المستقلة، والتصفية ونقل الملكية، ودمج المؤسسات والشركات، وإعادة إحداث المؤسسات الاقتصادية، وإحلال المؤسسات، وإحداث الشركات المساهمة الحكومية والخروج من النشاط الاقتصادي. وترافقت مع بيئة قانونية حاضنة عملت ضمنها (مرسوم تشريعي ــــ مرسوم ــــ قانون)؛ وفي الخلفية، كانت أهداف الخطط الخمسية (التاسعة والعاشرة والحادية عشرة) هي الإطار العام الذي يظلل كل هذه التغييرات ويحكمها.

شهد قطاع الخدمات أكبر نسبة للتغييرات في بنية المؤسسات العامة


في تحليله لخصائص التغيرات الجديدة في بنية القطاع العام الاقتصادي، أشار الباحث إلى عدم وجود توازن بين الأشكال المؤسسية، إذ استحوذت الهيئات العامة المستقلة على 62% من عمليات تغيير البنية، في حين لم يتجاوز التحول نحو الشركات المساهمة الحكومية 10% والتحول من خلال دمج المؤسسات الحكومية 4%، أما السيطرة الواضحة في عملية التغيير فكانت لقطاع الخدمات بنسبة 51%، وقطاع الصحة بنسبة 43% على شكل هيئات مستقلة مالياً وإدارياً، أما عمليات إعادة إحداث المؤسسات والشركات فاستحوذت على نسبة 18%. وأشار البحث إلى التفاوت الزمني الكبير في عمليات تغيير القطاع العام الاقتصادي خلال سنوات 2000-2017، فحوالى 87% من التغيير حدثت خلال 2000-2010 تضمنت 76 عملية تغيير، أما سنوات الحرب 2011-2017 فتضمنت 11 عملية تغيير فقط.

حكومة العطري الأكثر نشاطاً!
بحسب البحث، فإن أكثر الحكومات نشاطاً في عمليات تغيير القطاع العام الاقتصادي كانت حكومة محمد ناجي العطري إذ جرى في زمنها (65) عملية تغيير اقتصادي، ما يشكل نسبة 75% من مجمل عمليات التغيير. واحتلت حكومة محمد مصطفى ميرو المرتبة الثانية بمجموع عمليات تغيير وصلت إلى 14 وبنسبة 16%، تلتها حكومة عادل سفر، في حين انعدمت تلك التغييرات في زمن حكومة وائل الحلقي، أما حكومة عماد خميس الحالية فلم تقم سوى بتغيير واحد، ما نسبته 1% فقط من مجمل التغييرات.
أما بالنسبة إلى الخطط الخمسية التي جرت في ظلها هذه التغييرات، فقد وصل عدد التغييرات خلال سنوات الخطة الخمسية التاسعة (2001-2005) إلى 24 تغييراً، أما التغيير الأكبر فكان خلال الخطة الخمسية العاشرة (2006-2010) حيث بلغ عدد التغييرات فيها 46 تغييراً بنسبة 60%، أما الخطة الخمسية الحادية عشرة (2011- 2015) فكانت الأقل نصيباً بنسبة 10% على شكل إحداث شركات مساهمة.
ومع هذا الرصد الذي قدمه الباحث، وجد المتلقي نفسه في النهاية أمام تقييم ذاتي لعقلية الحكومات المتعاقبة و أهداف الخطط الخمسية والبيئة القانوينة التي حضنت تلك التحولات، ليخلص الحاضرون في النتيجة إلى حقيقة وحيدة واضحة هي التخبط والعشوائية وغياب الرؤيا في كل هذه التغيرات باستثناءات قليلة جداً، فمعالجة الحالات الخاسرة عبر التحول من خلال الدمج أو تغيير النشاط أو نقل تبعية الشركة أو الإحلال وإعادة الإحداث لم تكن سوى عملية تجميلية، استمرت معها المحاولات السابقة غير المجدية لإصلاح بنية القطاع العام الاقتصادي. فحتى الآن، ليس هناك من تقييم للأثر يقول بأن الدمج حقق ترشيداً للإنتاج وتعظيماً للقيمة المضافة! وليس هناك من تقييم للنتائج يقول بأن التصفية زادت من قدرة الشركات على المنافسة أو قللت من التشابكات المالية والتعقيدات الإدارية التي تعاني منها. وقبل هذا وذلك، لا يوجد ما يدل على أن هذا الدمج وتلك التصفية انطلقا من تحليل لواقع الاقتصاد السوري، أو هل تم النظر إلى تجارب الغير في هذا الإطار من حيث تقييم نتائج الإصلاح من حيث وصلت، ومن ثم كان القرار السوري ببدء تنفيذ هذه التحولات؟
17 عاماً من عُمْر الاقتصاد خصصتها الدولة للمصارعة الحرة ببسكويت غراوي والمنافسة بقلم ريم وحماية الخصر العالي في بنطلون تنتجه شركة وسيم للألبسة الجاهزة، وما زالت تلك السيدة تسأل: لماذا نقف أمام «ZARA» ولا نقف أمام شركة وسيم؟