أخبار الاعتداءات المسلّحة لأنصار أحمد الأسير في صيدا لم تسمح لأبناء القرى الجنوبية، المقيمين في صيدا وبيروت والضاحية، بالعودة الى أماكن اقامتهم، رغم أن العديد منهم حاول المجازفة وقطع طريق صيدا البحري خلال الساعات الأولى من بدء الاشتباكات. بعضهم خاطر بالعبور، والبعض الآخر عاد أدراجه ليروي قصص الاعتداءات التي تعرّض لها.


قرّر الجنوبيون البقاء في قراهم، منتظرين لحظات الهدوء، وانتهاء المعركة. لم يسبق لهؤلاء أن «جرّبوا التهجير القسري الى قراهم. فأبناء الجنوب عادة يفعلون عكس ذلك، عندما تشنّ أسرائيل حربها عليهم، فيضطرون إلى ترك قراهم والنزوح الى المدن»، كما يقول حسن كرنيب من ابناء عيتا الجبل المقيم في بيروت. اضطرّ كرنيب إلى البقاء في قريته مع عائلته المؤلفة من 4 أفراد، «الأسير فعل فعلته أخيراً واستطاع حبسنا في قرانا، وهذا أمر ايجابي لأطفالنا، أما نحن، كمعظم أبناء القرى الحدودية، فنعمل في المدن منذ أن هجّرتنا إسرائيل في عام 1982، وبتنا نقصد منازل أقربائنا في قرانا ليوم أو يومين»، يقول كرنيب.
الأهالي العالقون في قراهم عبّروا عن تأييدهم للجيش اللبناني، وتضامنهم مع عوائل شهدائه، ونتيجة لتأخر حسم المعركة، وزيادة حالة التوتر في صيدا وطريق العودة الى بيروت، عمد بعضهم الى المرور عبر طريق ــ البقاع ــ زحلة ــ ترشيش ــ المتن ــ بيروت، أو عبر طريق جزين ــ الشوف ــ عاليه.
ابن العديسة محمد رمال، قال إن «سلوك هذه الطريق ذكّرنا بأيام الاحتلال الإسرائيلي، عندما حُرمنا عبور الطريق البحري الى بيروت، واضطررنا إلى سلوك معبر باتر ــ جزين أو الطريق البقاعية الطويلة».
تتحدّث غادة سرحان، من بلدة الطيبة الحدودية، عن تغيّر مفاجئ في أسعار السلع، وخاصة الغذائية منها، في المنطقة. بقربها تحمل سيدة أكياساً صغيرة من الخضار وتقول: «سعر كلغ البندورة ارتفع فجأة 2000 ليرة، وكذلك الخيار والحامض، وهذا أمر غير مقبول». يحيل تاجر الخضار محمد وزنة المشكلة على تجار الجملة، الذين ادعوا أنهم اضطروا للذهاب الى البقاع لشراء بضاعتهم بسبب الأحداث الأمنية في صيدا، بينما تتهم السيدة أصحاب المحالّ بالغش؛ لأن «معظم البضاعة موجودة منذ يومين في محالهم».
حال طرقات البقاع لم تكن افضل من الجنوب، إلا انها لم تشكل مفاجأة لأبناء المنطقة الذين تعودوا «ظاهرة» قطع طرقاتهم، كلما اراد فريق سياسي، او عائلي أو حتى مزارعون ان يعبّروا عن اعتراضهم. خيار العابرين كان سلوك طرقات فرعية.
«الحاجة أم اكتشاف طرقات فرعية»، عبارة ترافقها ابتسامة صفراء يرسمها عزمي على وجهه، ليروي كيف استطاع ان يقطع مسافة نحو 4 كلم، ليقطع طريق سعدنايل تعلبايا المقطوعة من جهة الى جهة، ليستكمل سيره الى زحلة.
ليس بعيداً عن طريق سعدنايل، سوى 10 كيلومترات، طريق بر الياس ــ المرج الدولية، الذي شكّل ساحة لتنفيس الغضب، وخاصة بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري. تلقى فيصل عند أحد هذه الحواجز المقفلة بالإطارات المشتعلة، جملة من العصي التي انهالت على سيارته، واحدثت فيها تكسيراً. قال انه اتبع خطة اكتشاف طريقه من الروضة باتجاه شتورا من دون ان يمر على «قطاع الطرق».
ومنذ نهاية الأسبوع الماضي، لم يعد سهلاً التنقل بين قرى وبلدات البقاع الأوسط ومنها الى مدينة زحلة عاصمة القضاء.
يعمل يوسف محمود سائقاً على خط البقاع الأوسط في توزيع الخبز الى المنازل. يقول: «بحكم مهنتي أضطر يومياً مع مطلع كل فجر الى سلوك معظم طرقات المنطقة، ولا يمكن وصف ما عانيته في الفترة الأخيرة بسبب قطع الطرقات بالحجارة والدواليب المشتعلة، ولم تعتب عليّ طريق فرعيّة وترابيّة الا سلكتها».
أمام أحد مراكز الامتحانات الرسمية في زحلة، قالت ماري سلوم بغضب: «لم نعد نعرف من أين تأتينا المصائب، نعيش منذ أسبوع على أعصابنا، فقبل خروج أزواجنا الى العمل، ننتقل من محطة إذاعيّة وتلفزيونيّة الى أخرى ونجري عدة اتصالات هاتفيّة، كل ذلك لمعرفة الطرقات السالكة من المقفلة».
في طرابلس، لم تكن المكعبات الإسمنتية التي وُضعت في عرض بولفار منطقة التل وسط المدينة، وكتب عليها باللون الأحمر «ممنوع المرور»، تشير إلى أن أشغال معينة تجري في البولفار، بل إن من وضعوها كانوا مسلحين.
منذ بعد عصر أول من أمس الأحد، لم يبقَ شارع في طرابلس إلا قطعه مسلحون عمدوا من أجل تحقيق هدفهم إلى سدّ الطرقات بالإطارات المشتعلة، ومستوعبات النفايات والمعكبات الإسمنتية، باستثناء شوارع قليلة قطعها الجيش اللبناني بالأسلاك الشائكة لأسباب أمنية، وخصوصاً الشوارع التي يوجد له فيها مراكز عسكرية، مثل شارعي الجميزات وسوريا.
التنقل بين أحياء المدينة في الساعات الـ36 الماضية شكل معاناة حقيقية للمواطنين، الذين بالكاد استطاعوا الوصول إلى أشغالهم، ولو لساعات أو دقائق معدودة، وسط آثار الدخان الأسود الذي كان لا يزال يغطي الشوارع نتيجة حرق الإطارات.
أما القادمون من خارج طرابلس، فكانت معاناتهم في الوصول إليها، ولو «ترانزيت» وهم في طريقهم إلى بيروت أو عكار، كبيرة جداً، لأنه لم يبقَ منفذ يؤدي إلى المدينة إلا أغلقه المحتجون والمسلحون، سواء عند المدخل الشمالي لجهة المنية وعكار، في نقاط دوار نهر أبو علي ومستديرة الملولة أو منطقة المنكوبين، أو عند المدخل الجنوبي لجهة منطقة البولفار، أو في منطقة القبة لجهة منطقتي الضنية وزغرتا.

(شارك في التقرير: داني الأمين، أسامة القادري، نقولا أبو رجيلي، عبد الكافي الصمد)