في 17 تشرين الثاني 2019، اختار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الاستماع للنصائح الأميركية والفرنسية، فيما اختار رئيس التيار الوطني جبران باسيل التنسيق مع حزب الله. في النتيجة: أين كل من باسيل والحريري اليوم؟ كان ذلك حلقة في سلسلة خيارات أوصلت العماد ميشال عون إلى بعبدا، فيما لم توصل الخيارات الأخرى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وصحبه إلى أي مكان رغم كل المال والإعلام والجمعيات.لكن، بعد سنوات من التراكم الإيجابيّ، انتقل التيار والحزب، بعد بضعة أشهر من 17 تشرين، إلى المراكمة السلبيّة. مع شعور التيار بانقضاض المنظومة (بإعلامها وسياسييها وفنانيها ورجال أعمالها ومصرفييها ومدرائها وقضاتها وضباطها) عليه، قرّر أن الوسيلة الأنسب للدفاع هي الهجوم، بعدما ثبت أن سياسة مدّ اليد للحريري، كما للرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، لم تعد مجدية. ورغم القيود التي فرضها وجود الرئيس ميشال عون في بعبدا ما حال دون تمكن التيار من لعب دور المعارضة في عهد مؤسسه، كان «النَفَس» العوني، على كل المستويات، يقول إنه يستحيل أن نكمل بالطريقة نفسها. الحزب، من جهته، كان يستشعر رياح عاصفة متجددة تستوجب أكبر مستوى ممكن من الاحتواء الداخلي والاستيعاب وإعادة وصل كل ما يمكن وصله. هذا السطر سيحكم سياسة الحزب في كل الاستحقاقات منذ ثلاث سنوات إلى اليوم. كان مزاج العونيين رفضياً منتفضاً مقابل مزاج الحزب الاحتوائي والهادئ.

(هيثم الموسوي)

في هذه اللحظة بالذات، قرر الحزب السير في ترشيح نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة من دون أي قيد أو شرط. لم يؤخذ بغضب الرئيس عون أو مآخذه. وترافق ذلك مع شعور عارم بالإحباط من تجربة السلطة لدى الجمهور العوني، مقابل شعور عارم بالتفاؤل والانتصار لدى الحزب من مجمل تطورات المنطقة. هنا، أيضاً، كانت الجموع التي حلمت منذ عقود بالجنرال عون قائداً يبني لها الدولة الموعودة تتفرج على انهيار الدولة، فيما الحزب يتوسع في سياسات الدعم المباشر للناس من بناء السوبرماركات والصيدليات إلى توزيع البطاقات الغذائية وتأمين المازوت.
كان باسيل يتحدث عن ضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من دولة، فيما الحزب يركز على معالجة ظواهر الأزمة ساعياً إلى تعزيز الحضور الاجتماعي والخدماتي للتيار لفعل ما تفعله القوات اللبنانية أو مؤسسة ميشال معوض أو جمعيات بولا يعقوبيان وأنطون الصحناوي وغيرهم.
كان الحزب قد وصل، قبل ذلك بكثير، إلى قناعة بأن «بناء الدولة» شبه مستحيل في ظل الظروف الخارجية والداخلية الحالية، فيما يرى التيار أن اللحظة لم تكن يوماً مؤاتية كما هي اليوم. كان التيار في مكان والحزب في مكان آخر. قدرة الحزب على التعايش مع الأزمة وتحويل كل ما يرافقها من تهديد إلى قوة كانت أمراً مبهجاً لجمهوره، لكنها كان مستفزة لجمهور التيار. وهو ما يعرفه الحزب بالتفصيل. أتى تفجير المرفأ وما رافقه من حملة مبرمجة، فاكتفى الحزب بالتفرج عليها بتداعياتها السلبية الهائلة على حليفه المسيحي، قبل أن يزداد الطين بلة حين حاول الرد. ثم بدأت التهديدات الخليجية، بإيعاز من «القوات اللبنانية» دائماً، للبنانيين العاملين في الخليج ليجد التيار أن من يُرحّل من أبناء الطائفة الشيعية من دبي أو أبو ظبي أو الرياض (قد) يجد حاضنة اجتماعية - اقتصادية في انتظاره، أو أن التأثير السلبي لعودته على عائلته سيكون محدوداً، فيما من يُرحل من أبناء الطائفة المسيحية لن يجد أحداً في انتظاره في المطار نتيجة «ظروف التيار»، وستكون لعودته تداعيات كارثية على أسرته. مرة أخرى كان الحزب يجد نفسه، مستنداً إلى قوته المؤسساتية والمالية، بمنأى عن الأزمة نتيجة غباء الخصوم الذين فعلوا كل ما يلزم قبل سنوات للحؤول دون إيداع الحزب ومحازبيه أي أموال في المصارف اللبنانية، فيما كانت شركات رجال الأعمال العونيين تتخبّط! لا يولي الحزب أهمية مباشرة كبيرة لإخراج المصارف اللبنانية من نظام التحويلات المالية فيما يولي التيار أهمية كبيرة لآخر حبة في عنقود القطاع الخاص. تماماً كما لم تؤثر العقوبات والتهديدات بالعقوبات في بيئة من يقدّمون أغلى ما لديهم شهداء وجرحى فيما لم يعد رجل أعمال مسيحي واحد، في الداخل والخارج، يجرؤ على القول إنه عونيّ.
تراكمت في بيئة التيار الوطني الحر الأصوات فوق الأصوات: الخائبون من انهيار الدولة التي حلموا ببنائها، القلقون من العقوبات والترحيل، المتأثرون بالحملة الإعلامية العنيفة، القلقون من صعوبات اللحظة الراهنة الذين لا يستسهلون رؤية بلدهم منكوباً بالكامل ولا تعنيهم الانتصارات الاستراتيجية (المهمة جداً لعون وباسيل). هكذا، بدأ يتعاظم - في قواعد التيار وقيادته وصولاً إلى الرئيس عون - شعور عارم بالأسى. فهم سلّموا بأن الأولوية لدى حزب الله هي لنبيه بري، لكنهم اعتبروا أن الحزب سيضع التيار وحركة أمل في مرتبة واحدة. إلا أنهم شعروا بأن الحزب يرى بري أولاً. مثّلت أزمة المجلس الدستوري حول اقتراع المغتربين المحطة الأبرز، تلتها الانتخابات النيابية، ثم تكليف ميقاتي، ثم السكوت عن عدم اجتماع حكومته، ثم عدم نيته تشكيل الحكومة التي كُلّف بتأليفها. وحتى حلّ انتصار الترسيم والتنقيب كفرصة لإعادة وصل ما انقطع، في ظل اندفاعة عونية هائلة من عون شخصياً، فاجأ الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله جموع العونيين الذين كانوا ينتظرون منه إشارة وداعية عاطفية كبيرة للرئيس عون، قبل يوم من انتهاء ولايته، بانتهاء الكلمة من دون حصول ذلك. بل ساء العونيين أن يساوي السيد نصرالله بين عون وبري وميقاتي في إنجاز الترسيم. وعليه صارت الهوة تتسع.
يقول الرئيس عون في مجالسه الخاصة: «في السنوات الست الماضية، كانت المعارك مع الرئيس بري وليس مع أي أحد آخر». ويكمل باسيل: «في كل معركة من هذه، كان الحزب يقف إلى جانب بري، وكانت هناك دائماً حجة أو مبرر، قبل أن يسقط الاجتماع الأخير للحكومة كل الأقنعة». انتقل الحزب في نظر باسيل «من لعب دور المتفرج على الاعتداءات على التيار، تحت ذرائع مختلفة، إلى المشاركة في الاعتداء». وهنا، أيضاً، قد يسهل على الماكينة الإعلامية للحزب، في حال أرادت، أن تغذي لواء المحللين بالمبررّات، لكن ذلك لن يغيّر في أن الهوة تتسع، عن سابق تصور وتصميم. فالحزب كان يعرف، قبل أكثر من 72 ساعة من موعد الجلسة، موقف باسيل جيداً، ومع ذلك لم يحل دون عقدها. وهو ما إن تأكد من أن باسيل حريص على ألا يقال إنه هو من بادر إلى الخروج من التفاهم، إنما الحزب من خرج أولاً؛ حتى سارع إلى «خدمته» في هذه. كأنهما متفقان على وضع حد لاتفاقهما التاريخيّ.
بموازاة هذا كله، كان هناك الاستحقاق الرئاسي. يختصر أحد المطلعين مقاربة الحزب للاستحقاق بما يتناغم مع أيام المونديال: يريد الحزب أن يمنع خصومه من تسجيل هدف في مرماه، ويسعى إلى أن يسجل فريقه هدفاً في مرمى الخصوم. وهو لن يسمح لخطأ أو تردد أو ملاحظات أحد لاعبي الفريق الذي ينتمي إليه بالتسبب بدخول هدف في مرماه، كما سيسعى لتسجيل الهدف بمعزل عن خطأ أو تردد أو ملاحظات هذا اللاعب أو ذلك. في حال أراد باسيل أن يرافق الحزب في مسعاه لإيصال سليمان فرنجية، يرحب الحزب ويتأهل، أما إذا قرر باسيل سلوك خيار آخر فهذا شأنه من دون أن يؤثر ذلك على مساعي الحزب لإيصال فرنجية.
أما باسيل فكانت مقاربته أبعد ما يكون عن هذا. في مجالسه الخاصة يؤكد أن الاستحقاق الرئاسي ليس مناسبة لتسجيل أهداف سياسية إنما لوضع تصور للخروج من الأزمة. وهو حين قرر أن لا يكون مرشحاً، خلافاً لرغبة الرئيس عون وإصراره، كان يفترض أنه يذلل عقبة سياسية كبيرة تفتح الباب أمام حلول للبلد، وإذا به يخسر حقه الطبيعيّ بالترشح قبل أن يحاول الحزب أن يحرمه من حق الفيتو أيضاً. ما لا يقوله باسيل بوضوح هنا ينقله ضيوف الرئيس عون عنه بأن لدى الحزب حليفين (بري - باسيل) ومرشحَين طبيعيين (فرنجية – باسيل)؛ يمكن للأول (بري) أن يضع فيتو على أحد هذين المرشحين ويقبل الحزب بذلك، فيما لا يمكن للثاني أن يضع فيتو على أحد هذين المرشحين!
عون وباسيل لا يستسهلان طي صفحة مار مخايل أو تجاوزها أو القفز فوقها وحتى الآن لا تبدو الأولوية لذلك


في انتخابات رئاسة المجلس يقول الحزب إن على الجميع احترام رأي المكوّن الشيعي. في تكليف رئيس الحكومة يقول الحزب إن على الجميع احترام رأي المكوّنات السنية. أما في انتخابات رئاسة الجمهورية فتصبح المعركة معركة سياسية، ولا حاجة للوقوف على خاطر المكوّن المسيحي أو مراعاته. والأكيد هنا أن علاقة باسيل والسيد لا تحتاج إلى تسريبات أو «إيصال رسائل» أو غيره كما يتخيل ويسوق البعض إنما هي علاقة واضحة جداً وصريحة ولا يوجد فيها ما هو فوق الطاولة وما هو تحتها.
ومع ذلك فإن سياق الأمور يقود تفاهم مار مخايل نحو الانفجار، تحت أنظار المعنيين ومعرفتهم بتفاصيل ما يحصل طبعاً، حيث لا بدّ من السؤال مراراً وتكراراً: ما الذي يدفع الطرفين نحو هذا الخيار؟ هل تعبا فعلاً من بعضهما إلى هذا الحد؟ مع العلم أن الحزب يخسر اليوم التيار من دون أن يضمن ربح الرئاسة الأولى لفرنجية.
بدوره كان باسيل يصر طوال العام الماضي على إخماد النقمة الهائلة داخل تياره على مواصلة التمسك بالتفاهم رغم الانحياز المطلق للحزب إلى جانب بري، ومن ثم إلى جانب بري وميقاتي، وكان باسيل يؤكد أن المطلوب تطوير التفاهم وليس إلغاءه أو الخروج منه. لكن باسيل نفسه يسأل بجدية اليوم «عمّا نحن متفاهمون عليه» إذا كانت مقاربة المرحلتين (الماضية القريبة والمستقبلية) متناقضة إلى هذا الحد، وكذلك الموقف من جميع الاستحقاقات والعلاقة مع المنظومة وطريقة التعاطي مع الأزمة... من دون أن يعني ذلك أن الرئيس عون وباسيل يستسهلان بأي شكل طي صفحة مار مخايل أو تجاوزها أو القفز فوقها. حتى الآن لا تبدو الأولوية لذلك أبداً، أياً كان رأي مواقع التواصل الاجتماعي وبعض قياديي التيار. حتى الآن كل المطلوب من الحزب، عند عون وباسيل، هو العودة إلى ما قبل 17 تشرين، حين كان بري عيناً وعون العين الأخرى، قبل أن يصبح بري في نظر العونيين هو العينان والأنف والفم والأذنان.
ربما لدى الحزب أسبابه، يقول عون وباسيل لضيوفهما، ونحن نتفهم هذه الأسباب ونحرص على حماية الود المتبادل. لكننا لن ندفع الثمن، ولدينا خيارات أخرى.