انشغل لبنان أمس بأخبار الاقتحامات المتنقلة للمصارف في المناطق، وصار مجرّد وجود سيارة أمنية أمام مصرف يساوي «خبراً عاجلاً» لاقتحام. استسهل الناس تناقل هذه الأخبار، فحنقهم على المصارف لا يوصف، ولكن أهالي موظفي المصارف تابعوا هذه الأخبار بخوف ورعب شديدين. تواصلوا مع أولادهم عند كلّ رنة هاتف تنبئ «خبر عاجل» عن اقتحام فرع ما. بناتهم وأبناؤهم موظفو هذه المصارف صاروا في الواجهة، لا المواجهة، مع الناس، «من دون أن يكون لهم ناقة أو جمل» كنصيب من الأزمة كلّها.

تصرخ إحدى الأمهات في رسالة صوتية على ابنها الموظف المصرفي «ارجع على البيت هلق، أنا على أعصابي». أما إجابة موظفة عن سؤال حول وضعها العملي فكانت «جهنم الحمرا». وقالت أخرى «لو عندي شغل ثاني ما بضلّ دقيقة». قضية هؤلاء الأشخاص شائكة، ومقاربتها دقيقة، فهم مكروهون وكأنّهم «أصحاب المصارف أو أعضاء مجالس الإدارات»، بينما الحقيقة في مكان آخر تماماً، سيف التسريح مع إقفال كلّ فرع مسلط على أعناقهم، غضب الناس موجه عليهم، حتى أنّ بعضهم من أصحاب الودائع العالقة في المصارف، أما أكثر ما يزعجهم «أنّ كلّ شائعة تصيبهم يجري التعامل معها على أنّها حقيقة مطلقة».

الموظف الخائف
تفتش حتى انقطاع الأمل عن موظف يوافق على نقل المعاناة والمشاهدات لك من داخل المصارف، يُفهمك هذا التعب جيداً الخوف الذي يعيشه موظفو المصارف، من إداراتهم أولاً ومن المحيط ثانياً. يرفضون التكلّم في البداية، وبعد التطمينات والتعهد بالسّرية المطلقة وكتمان الاسم ومكان العمل تحصل على بعض الإفادات. «العودة إلى المنزل مساء كلّ يوم أمر غير مضمون» تفيد موظفة، وعلى الرغم من عدم وقوع مشكلات «حتى الآن» في الفرع الذي تعمل به إلا أنّها تشعر باقترابها، فـ»أراقب الداخلين، والواقفين في الخارج وكأنّي المسؤولة عن الأمن». لا يطمئنها عدم وقوع ضحايا من بين زملائها حتى اليوم، فهي «لا تجيد التفرقة بين السلاح البلاستيكي وبين الحقيقي»، وستتعامل مع التهديدات كلّها على أنّها حقيقية، و»لن ألعب دور البطولة مع أحد». سعاد، اسم اختارته موظفة ثانية لنفسها للتكلم بإسهاب، فتبدي تعاطفها أولاً مع المودعين وتقول إنّها قبيل الأزمة نصحت أقرباءها بسحب ودائعهم من المصارف بعد تحسّسها لأمور مريبة، إذ قلّصت يومها المصارف كتل العملة الأجنبية في الفروع، وصارت تلزم المودعين بمواعيد للسحب. وتطلب سعاد من اللبنانيين التعامل معها مثل تعاملهم مع «كاشيير السوبرماركت» (موظف الصندوق)، فهو ليس مسؤولاً عن الأسعار، وكذلك هي «ليست مسؤولة عن السّياسة المالية». وتعترف بـ»عدم خبرتها السّياسية» ولكنها ترى المشكلة عند «أعضاء مجالس الإدارات في المصارف وأصحابها، لا الفروع ومدرائها والموظفين»، وتصف عملها بـ «خدمة الناس وتأمين الحد الأدنى لهم».

الوجه الآخر
«إن لم تصدقوني، اذهبوا للعميد ملاعب الذي كان موجوداً في مكتبي يوم الحادثة». بهذه الجملة يبدأ حسن حلاوي مدير فرع «فدرال بنك» في الحمرا حديثه مع «الأخبار». هو مدير فرع المصرف حيث وقعت في وقت سابق من شهر آب الماضي حادثة تحرير وديعة بسام الشيخ حسين. يعبّر حلاوي عن «كفره بالإعلام، الذي ينقل الصورة من جهة واحدة فقط»، رافضاً «محاولة إلباسي القضية» عبر الترويج «أنّني شخص يسيء التعامل مع الناس، وصاحب أخلاق سيئة». ينفي بداية امتلاكه لبندقية في مكتبه، ثمّ يروي لنا ما جرى مؤكداً أولاً «حق الناس في استرجاع ودائعهم» ولكن «من دون رمي التهم»، فـ «بسام (الشيخ حسين) حصل يومها على 500$ بعملية مالية عبر منصة صيرفة كان يجريها كلّ شهر، وطلب تحصيل 400$ إضافية بناءً للتعميم 158، طلبت منه الجلوس في مكتبي والانتظار قليلاً ريثما يتم تحضير الجدول، فخرج وعاد مع بندقيته والبنزين الذي سكبه بين المكاتب مهدداً بإشعال المكان»، واصفاً ما جرى يومها بالـ»مخطط من قبل بسام، ولم يكن وليد ساعته». ويعلق على أحداث اليوم بأنّه توقعها بعد خروجه مباشرة من المصرف يوم الحادثة لأنّ التعامل الإعلامي والرسمي مع ما جرى أوحى بـ»التسامح».