القوى السياسية المشاركة في السلطة لا تزال تبادر. وكما نفّست الغضب الشعبي بعد انفجار 4 آب بـ«إقالة الحكومة»، سارعت فور تخطّي سعر الدولار عتبة العشرة آلاف ليرة إلى خطف أي ردّ فعل شعبي، والسعي لتوجيه بوصلة الاحتجاج إلى الجهة الخطأ. صار ميشال عون هو العنوان، لا رياض سلامة وحُماتُه. وبذلك، لم يعد هؤلاء يكتفون بخنق الناس في قوتهم ولقمة عيشهم، بل بدأوا معركة مضادة للتأكيد أن لا بديل منهم ولا من سياساتهم الممعنة في ضرب أي أمل بالتغيير، حتى لو كان هذا التغيير محدوداً أو رمزياً. مجدداً رُفع حائط الحماية لرياض سلامة، وأعلنت أحزاب السلطة خطف الشارع!


نقطة التحوّل كانت وصول سعر الدولار إلى عشرة آلاف ليرة. صحيح أن الرقم ليس هو الدافع بحد ذاته، لكن وصوله إلى هذا المستوى كسر حاجزاً نفسياً، ينبئ بمرحلة جديدة، لا أحد يمكن أن يتوقع نتائجها. الانهيار الشامل واقع. ويوم الغضب الذي دعي إليه اليوم سيكون الاختبار الأكثر جدية منذ استقالة الحكومة. بحسب الدعوات إلى التظاهر والاحتجاج، فإن مداخل بيروت وكل الطرقات الحيوية ستقطع منذ الصباح الباكر. ما يُسمى «مجموعات الثورة» في قلب كل التحركات، وعلى رأس الداعين، لكنها لن تكون وحدها. في نهاية الأسبوع كان واضحاً أن ثمة من قرر الاستعانة بالشارع لتصفية حسابات سياسية. «القوات» و»الكتائب» توليا المهمة على طريق الشمال، وبتنسيق واضح، وكان لافتاً تأكيد ناشطين انتشار السلاح في السيارات، علماً بأنه تم توقيف أحد المتظاهرين لحمله السلاح. مجموعات محسوبة على بهاء الحريري والجماعة الإسلامية والمستقبل يتولّون الدفة على طريق الجنوب وفي البقاع، فيما برز مساءً أول ظهور واضح لمناصري الحزب الاشتراكي على طريق البقاع، في صوفر وبحمدون، حيث اعتدوا على فانات كانت تمر في المنطقة. وبحسب المعلومات، فقد سارع مسؤولو الحزب الاشتراكي إلى تطويق الإشكال والتواصل مع حزب الله وحركة أمل لمنع تطور الأمور.

من خلال الشارع، يبدو أن المطلوب هو الضغط على عون لإلغاء التدقيق الجنائي


الجديد في التحركات كان نزول مناصرين لحركة أمل إلى الشارع في الضاحية وعند مداخلها وفي الجنوب، فيما كانت المسيرات الدراجة تجوب الطرقات، في ظل شائعات عن توجهها إلى بعبدا. تلك الشائعات التي نفيت سريعاً، لم تنف واقع أن «أمل»، بالتعاون مع كل معارضي عون، قد قررت توجيه الغضب نحو رئاسة الجمهورية، التي تمكنت من «فضح» سعد الحريري والتأكيد أن التنازلات لن تؤدي إلى تأليف الحكومة. فأولوية الرئيس المكلّف ليست لبنانية، بل كيفية تطويع الظرف اللبناني لنيل الرضا السعودي، المتعذر منذ اللقاء الذي عقد بينه وبين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في تشرين الأول 2018، في مؤتمر الاستثمار، والذي استغله ابن سلمان، حينها، لينفي عنه تهمة خطف الحريري (كان ذلك بعد أيام من مقتل جمال خاشقجي).
لكن زيادة الضغط على عون ليست هي وحدها سبب تحركات أحزاب السلطة، التي كادت تستفرد بالشارع، لولا تحرك عدد من مجموعات الانتفاضة في وسط بيروت وباتجاه المصرف المركزي.
صارت الأجندة واضحة. المطلوب خطف أي تحرك محقّ، إن كان في وجه من يدير السياسة النقدية أو في وجه من يحميه من السياسيين، وحرفه عن وجهته وتفويت أي فرصة لخلق حالة شعبية لتحسين شروط المعركة مع الطبقة الحاكمة. المطلوب مجدداً إعادة تحصين رياض سلامة وحماية مشروعه لتحميل الناس مسؤولية الخسائر التي تكبدّها الاقتصاد والنقد لا المسؤولين الفعليين عن هذه الخسائر، من خلال الاستمرار في قضم قدرتهم الشرائية. وهذا الهدف لا يبالي بالسقف الذي يمكن أن يصل إليه الدولار، ولا يبالي بأضراره على الأغلبية الساحقة من السكان.
ومن خلال الشارع أيضاً، يبدو أن المطلوب الضغط على ميشال عون (وفي أماكن محددة على حزب الله بالنيابة عن عون)، لإلغاء التدقيق الجنائي، بعد أن تقدّم الموضوع، ربطاً بالمراسلات التي تجري مع شركة «ألفاريز»، وربطاً بفشل مساعي تطيير التدقيق من خلال اللعب على عامل «التوازي» في التدقيق بين مصرف لبنان والإدارات الأخرى.
العين اليوم ستكون على الجيش اللبناني. المجموعات الداعية إلى التظاهر تسعى لاختبار ردّ فعله. هل يستمر في سياسة عدم التدخل التي اعتمدها في الأيام الماضية، تاركاً الناس تنفّس عن غضبها، والقوى السياسية تتحّكم في لعبة قطع الطرقات؟
وسط كل ما يجري، بدا الرئيس حسان دياب الحلقة الأضعف. لم يجد في يده سوى ورقة التهديد بالاعتكاف، ليحذّر السلطة من خطورة أفعالها ومن الأيام الصعبة الآتية!



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا