يقدّر أنه لدى المصارف اللبنانية استثمارات في مؤسّسات مالية خارجية بقيمة 4.5 مليارات دولار. يستند هذا التقدير إلى سعر الاستثمار ولا يتعلق بسعر مبيعها الحالي الذي قد يكون أعلى أو أدنى بحسب ربحية الاستثمار وتقييمه الفعلي. لكن المهم في هذه الاستثمارات، أنها تمثّل المكوّن الأساسي وشبه الوحيد حالياً لأصول المصارف الخارجية، وبالتالي فإن بيعها سيتيح للمصارف تكوين احتياطيات حرّة لدى مصارف المراسلة بنسبة 3% التي حدّدها مصرف لبنان، فضلاً عن أنه يمكن استعمالها أيضاً في زيادة الرساميل. لكن أصل هذه الأموال يعود إلى المودعين الذين أودعوها في المصارف، قبل أن يسمح لهم مصرف لبنان بإخراجها في إطار سياسة «الانتشار»، بذريعة أن السوق المحلي لم يعد يستوعب المنافسة بين المصارف.

لغاية اليوم، المُعلَن أن هناك مصرفين باعا بعضاً من أصولهما في الخارج بما يفوق 1.1 مليار دولار. «بنك عودة» باع المصرف الذي يملكه في سوريا بنحو 25 مليون دولار، والمصرف الذي يملكه في مصر بقيمة 660 مليون دولار، أما «بلوم بنك» فقد باع المصرف الذي يملكه في مصر بقيمة 427 مليون دولار. مجموع الصفقات يغطّي 32% من مجموع الاحتياطيات الحرّة التي حدّدها مصرف لبنان للمصارف في التعميم 154 بنسبة 3% من الودائع بالدولار كما هي في نهاية 31/7/2020. وبحسب مصادر في مصرف لبنان، فإن غالبية المصارف الصغيرة قد أمّنت المبالغ المطلوبة منها لدى المصارف المراسلة، فيما لا يزال بعض المصارف الكبيرة والمتوسطة يعمل على إنجاز هذا الأمر، مثل «سوسيتيه جنرال بنك» الذي يعمل على بيع نسبة كاملة أو جزئية من إحدى وحداته الخارجية.
في نهاية 2019، كانت المصارف تملك في الخارج مجموعة أصول، أبرزها المصارف الشقيقة أو التابعة والشركات التابعة. وقد بلغ عدد الفروع الخارجية للمصارف نحو 490 فرعاً، ولديها نحو 19 مكتباً تمثيلياً ونحو 26 مصرفاً تابعاً، ومصرفان شريكان، ومصرف واحد شقيق، وشركتان تابعتان. أما المساحة الجغرافية لهذا الانتشار قبل بدء تصفية الأصول الخارجية في السنة الماضية، فقد شملت 29 بلداً. لكن السؤال الذي يثيره كل هذا التوسّع: كيف أتيح للمصارف تحقيق ذلك؟ بأي تمويل؟ وبأي أهداف؟
خلال العقود الأخيرة، تغذّى الورم المالي على القطاع المصرفي. كان هذا القطاع هو القناة التي تتحوّل الأموال من خلالها من موجودات خارجية إلى موجودات محلية. بمعنى آخر، فإن الدولارات التي أتت إلى لبنان بكل أشكالها وأنواعها، استعملها القطاع المصرفي ومصرف لبنان وحوّلوها إلى ما يسمى اليوم بدولارات محليّة. وبهذا المعنى، فإن الدولارات الخضراء، سواء كانت إلكترونية أم ورقية، لم تعد موجودة، بل بات مقابلها أصول محلية وليرات لبنانية إلكترونية أو مطبوعة على ورق. هذا هو المقصود الفعلي بالدولارات المحلية. هي دولارت حقيقية جرى تحويلها في القنوات المصرفية. لكن لم يتم تحويل كل الدولارات. فهناك قسم من هذه الدولارات الآتية، استعملت لتمويل عمليات أخرى، من بينها تمويل استثمارات خارجية. المصارف وحدها استثمرت بقيمة مقدرة بنحو 4.5 مليارات دولار في الخارج. كل استثمارات المصارف كانت تتم بموافقة مصرف لبنان وبإشرافه المباشر. حتى إن بعض المصرفيين يعترضون على أن مصارف كبيرة أو متوسطة كانت محظية لدى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مقابل مصارف أخرى حوصرت من أجل منعها أو الحدّ من تفكيرها بالتوسع الخارجي.
مسار التوسّع الخارجي لدى المصارف بدأ في مطلع الألفية. في عام 2004 كانت المصارف اللبنانية موجودة في 8 دول. اليوم يبلغ العدد 29 دولة. صحيح أن بعض المصارف كان لديه غايات تجارية واضحة في الخارج لتلبية الزبائن اللبنانيين المنتشرين هم أيضاً في الخارج، لكن كان الأمر كلّه يخدم النموذج اللبناني. فهذا النموذج قائم منذ عقود على تصدير العمالة للانتفاع من تحويلاتهم بالدولار. هذا الأمر استدعى وجود المصارف في الكثير من العواصم، وخصوصاً عبر فروع أو عبر مكاتب تمثيلية. وقد كان التوسّع محكوماً أيضاً بعوامل مختلفة مثل الحرب الأهلية، إذ جذبت قبرص عدداً كبيراً من المصارف في فترة ما بين الحرب الأهلية ومطلع الألفية الثانية، بسبب اضطرار المصارف إلى البحث عن أقرب نقطة جغرافية تتيح لها إنجاز عملياتها المصرفية لمصلحة الزبائن بين لبنان والخارج.

لغاية اليوم، المُعلَن أن هناك مصرفين باعا بعضاً من أصولهما في الخارج بما يفوق 1.1 مليار دولار


غير أن توسّع المصارف نحو استثمارات أكبر من «التواجد» كان يتعلق بالورم المالي والترف الناشئ على هامشه. فمهمة استقطاب الدولارات للحفاظ على مستوى احتياطيات بالعملات الأجنبية مرتفع يتيح خلق «الثقة»، كانت عبارة عن آلية متسارعة في الاتجاهين: أي إنها تغذّي نفسها بوتيرة كبيرة، فتتدفق الأموال بكثرة تفوق الحاجة الفعلية، وعند انهيارها يكون الانهيار سريعاً وكبيراً أيضاً. إذاً، الدور الأساسي للمصارف التجارية في لبنان، هو ألا تكون تجارية، أي أن يقتصر عملها على استقطاب المزيد من الرساميل وإغرائها بالفوائد اللبنانية على الدولار والليرة. هذا الأمر كان جزءاً لا يتجزأ من عمل منظومة المصارف في لبنان بشقيها: مصرف لبنان، والمصارف التجارية. وإلا، فلماذا وافق مصرف لبنان على نقل الدولارات التي تدفقت إلى لبنان على شكل استثمارات مباشرة أو تحويلات مغتربين أو أياً يكن شكلها، من أجل تحويلها إلى أصول بعملات أجنبية غير الدولار؟ فالمصارف التي توسّعت نحو الخارج واشترت مساهمات في مصارف قائمة أو اشترت مصارف أخرى بكاملها، أو اشترت شركات، أو أسّست شركات، فهي حوّلت الرساميل الوافدة إلى لبنان بالدولار، إلى رساميل خارجية بعملات مختلفة مثل الجنيه المصري، أو الدينار الأردني واليورو والدولار... وسواها من عملات الدول حيث تنتشر هذه المصارف.
المشكلة لا تنحصر هنا فقط. فإلى جانب قصّة نجاح «بنك عودة»، و«بلوم بنك» في بيع أصولهما الخارجية في مصر وتحقيق أرباح قياساً بقيمة الاستثمار، فقد لا يكون النجاح حظّ المصارف التي لديها مصارف أخرى في العراق، أو في قبرص مثلاً. فالقرار الذي اتخذه المصرف المركزي القبرصي، يجعل من الصعب تخمين ثمن المصارف في قبرص، أو حتى ربما في البلدان الأوروبية. فهذه البلدان اكتشفت أن المصارف في لبنان مفلسة (لا يحبّذ المصرفيون ولا رجال القانون كلمة إفلاس ويتحجّجون بأن المصارف لا تزال عاملة، لكن الحقيقة أن المصارف «متوقفة عن دفع دولارات المودعين» وهذا يعني إفلاساً، سواء كان تعريفه قانونياً أم معنوياً)، وبالتالي باتت تدرس آليات قانونية لطردها. الطرد هنا بالمعنى التجاري وليس عقوبة عليها. ففي ظل الورم المالي المتعاظم حول العالم بسبب استعمال السياسات النقدية لتمويل الطلب والعرض في ظل ركود اقتصادي، صارت الدول تحاول التقوقع حول نفسها. قبرص تقوم بهذا الأمر، كما يقوم به العراق. الاثنان يعملان حالياً على طرد المصارف اللبنانية من هناك. لكلّ منهما أسبابه وحججه. فعلى الرغم من أن المصارف اللبنانية العاملة في قبرص هي في غالبيتها فروع لمصارف لبنانية تخضع في المبدأ لتعاميم المصرف المركزي في قبرص ولا يسمح لها باستعمال الودائع التي تتلقاها إلى الخارج، إلا أن السلطات القبرصية وجدت أن هناك مخاطر جدية على رساميل المصارف الأم في لبنان، وهذا ما يرفع المخاطر على الودائع القبرصية. أما في العراق فالقصة مختلفة. المصارف التجارية العراقية استاءت من «الغزو» اللبناني، وتمكنت من استصدار قرارات لزيادة الرساميل اللبنانية مقابل كل فرع من الفروع... النتائج واحدة رغم اختلاف الإشكاليات: طرد المصارف اللبنانية.
إذاً، الانتشار المصرفي في الخارج لم يكن «نعمة»، ولم يحقق الكثير للمصارف. بل إن الأرباح الخارجية كانت أقلّ بكثير مقارنة مع المردود المحلي. طبعاً لا شيء يضاهي المردود الذي كان يقدّمه سلامة للمصارف. هذا الأمر وحده كان يجب أن يكون كفيلاً بالانتباه إلى المشكلة، لكن يبدو أن المصارف لم تنتبه. كانت غافلة. عضو جمعية المصارف تنال الصباح قالها صراحة: «مصرف لبنان خدعنا. أغرانا». في الواقع، خدعهم مصرف لبنان منذ فترة طويلة عندما حوّلهم إلى دمى تربح الأموال، وهم وقعوا في فخ الخداع بسبب جشعهم فارتضوا التخلّي عن عملهم التجاري بالوساطة المالية (والذي كان سيُربحهم الكثير ويُشبع نسبة كبيرة من جشعهم أيضاً) لمصلحة الأرباح الأكثر سهولة. توسعهم نحو الخارج كان جزءاً من لعبة الخداع نفسها التي وفّرت لهم الأرباح من أموال المودعين!



صفقة بـ660 مليون دولار
قبل أيام، أعلن «بلوم بنك» بيع حصّته الكاملة في المصرف التابع له في مصر بقيمة 427 مليون دولار (الحصة تبلغ 99.4%) للمؤسّسة المصرفية العربية،
وأمس أعلن «بنك عودة» توقيع اتفاقية نهائية مع «بنك أبو ظبي الأوّل» للاستحواذ على 100% من رأسمال «بنك عودة - مصر»، على أن يكون «إتمام الصفقة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بعد الحصول على الموافقات من البنوك المركزيّة والجهات التنظيميّة المطلوبة»، بحسب بيان صادر عن طرفي الصفقة. البيان لم يشر إلى قيمة الصفقة، لكن «الأخبار» علمت بأنه تمّ تسعير بنك عودة في مصر بقيمة 660 مليون دولار