انتخابات 14 عضواً في الهيئة التنفيذية، إضافة إلى نائب رئيس المجلس الأعلى للروم الكاثوليك (يرأسه البطريرك يوسف العبسي)، مؤجّل الى آذار المقبل وما من مرشّحين إلى المنصب حتى الساعة. غياب التوافق على مرشح كما جرت العادة في الدورات السابقة، سيقود إلى صراعات سياسية مع الحديث عن مرشَحين اثنين، رغم عدم تقدمهما بترشيحهما بعد: مستشار رئيس الجمهورية سليم جريصاتي، والوزير السابق (كان وزيراً من ضمن حصة القوات اللبنانية) سليم وردة. جريصاتي لم يحظ بدعم من التيار الوطني الحر بعد، بل ظهر كمرشح من جانب المطران عصام درويش حصراً، وأثار اسمه جبهة معارضة تدعم وردة. فيما بات الجميع على توافق بأن نظام المجلس الأساسي والداخلي بحاجة إلى تعديلات ستكون من صلب مهمات المجلس المقبل.


أُجّلت انتخابات نائب رئيس للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك كما انتخاب أمين السرّ الى آذار المقبل، مع تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية الصادر عن مجلس النواب. وبذلك يبقى الوزير السابق ميشال فرعون في منصبه نائباً لرئيس المجلس، البطريرك يوسف العبسي، الى حين إجراء الانتخابات. وبحسب العرف القائم منذ سنوات، يخضع هذا المنصب للمداورة ما بين زحلة وبيروت ومنطقة ثالثة، قبل أن يخرق هذا العرف فرعون في الدورة الأخيرة بشغله المنصب لدورتين متتاليتين، ما منع زحلة من التمثل لتسع سنوات متتالية، الأمر الذي لن يتكرر هذه المرة كما تجمع الفعاليات الكاثولكية، لذلك سيتم تجديد العمل بالعرف عبر إعطاء نيابة الرئاسة لمنطقة زحلة. ثمة مشكلة رئيسية هنا، تتمثل برحيل الوزير السابق إيلي سكاف الذي كان بمثابة ضابط لإيقاع هذا المجلس والحريص على إرساء التوافق بين أعضاء هيئته التنفيذية ليصار الى الخروج بمرشح واحد، غالباً ما كان يكون إما سكاف نفسه أو فرعون أو من يرشحهما الأخيران. فقد سبق لسكاف أن سمّى الوزير السابق نقولا خوري ليكون نائباً لرئيس المجلس، وسمّى فرعون رئيس الجمعية الخيرية لطائفة الروم الكاثوليك روجيه نسناس. لكن غياب سكاف ترك فراغاً تُرجم بصعود الدخان الأبيض في المرة الأخيرة من منزل رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وما يمثله من زعامة مارونية. فيما ثمة من يطلق على المجلس الأعلى اليوم، أي في مرحلة ما قبل انتهاء مهلة التقدّم بالترشيحات نهاية الشهر الجاري، «برج بابل» الكاثوليك. إذ هناك من ينادي بتعديل النظام الداخلي، وآخرون يميلون الى حلّ المجلس بأكمله، فيما جزء ثالث يناسبه الإبقاء على الصيغة الحالية كما هي.

تميل غالبيّة أصوات الهيئة التنفيذية لمصلحة مرشح التيار، ما سيؤثّر حكماً على منصب نائب الرئيس


في السنوات العشر الأخيرة، لم يكن للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك أيّ دور فعّال لا سياسياً ولا تجاه أبناء الطائفة. رغم ذلك، يكمن التهافت على نيابة الرئاسة، ربطاً بالمشاركة في طاولة الحوار الوطني واللقب الفخري الذي يمنحه المنصب لصاحبه، في ظل غياب أي تكتل حزبي أو زعيم حالي لطائفة الكاثوليك. سبق لسكاف أن حضر طاولة الحوار مرة، وفرعون مرة أخرى، ليتغيب عنها أي ممثل للمجلس في الاجتماع الأخير. ينطلق أحد الفاعليات الكاثوليكية من هنا ليلفت إلى أن لا وزن جدّياً لممثل المجلس في الطاولة، سواء وُجد أو تغيّب، وينبغي إزاء ذلك تغيير كل مهمة المجلس لينحصر بالعمل الإنمائي والاجتماعي، ويبتعد بقدر الإمكان عن السياسة وصراعاتها. منذ حوالى الستة أشهر، جرى وضع هذا الأمر على طاولة البحث بعدما عملت اللجنة القانونية في المجلس عاماً كاملاً على استمزاج كل الآراء وجمعها في إطار واحد، لترفعه الى اللجنة العامة التي كان من المفترض أن تنطلق في نقاش كل النقاط والتصويت عليها. إلا أن ذلك لم يحصل نتيجة انفجار المرفأ وما رافقه من ازدياد لحالات كورونا وانهيار على كل المستويات. وتلقائياً، رُحِّل النقاش في التعديل الى حين الانتهاء من انتخاب نائب رئيس جديد. حتى الساعة، لم يتقدّم أي مرشح الى المنصب وسط حديث ضمني عن مرشحَين اثنين: الأول ليس سوى مستشار رئيس الجمهورية سليم جريصاتي، والثاني الوزير السابق سليم وردة. «الأخبار» اتصلت بجريصاتي من دون أن يجيب، وسط تأكيد بعض المصادر أنه لم يطرح ترشحه على التيار بعد، إنما ينطلق من دعم راعي أبرشية الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران عصام درويش. فيما يشير سليم وردة الى أنه لم يتقدم بعد بترشيحه: «في وقت». إلى جانب جريصاتي ووردة، تتحدث مصادر قريبة من البطريرك عن نيته تبنّي أحد المرشحين كحلّ وسط، وهو فايز شاهين.

جبهة معارضة تدعم وردة
فور شيوع رغبة جريصاتي بتقديم ترشيحه كمرشح «توافقي»، برزت أصوات معارضة لترشحه افتتحها النائب ميشال ضاهر بتغريدة منذ أسبوعين يقول فيها: «لا تهديداتك ولا استفزازاتك ولا فبركة الملفّات القضائية والأمنية التي امتهنتها وتستعملها في وجه الضعفاء لإخضاعهم وابتزازهم، سوف توصلك الى ما تصبو إليه. لن نرضى بك مرشّحاً استفزازياً لشقّ طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، التي تجمع ولا تفرّق. ‏نعم لمرشّح يمثّل الطائفة ولا يمثّل عليها». الضاهر يميل الى دعم سليم وردة، شأنه شأن رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب. وفي اتصال مع «الأخبار»، رفض الضاهر الحديث عن الموضوع أو عن تغريدته، مشيراً الى أنه تحدث والبطريرك يوسف العبسي ووافق على عدم إثارة المسألة في الإعلام. النائب جورج عقيص يتشارك والضاهر وزغيب بدعم ترشيح وردة، وثمة ما يشبه تكتل جبهة كاثوليكية معارضة لجريصاتي، يساندهما نائب رئيس المجلس الحالي أي فرعون الذي لم يجب هو الآخر على اتصال «الأخبار». أما عقيص، فيجاهر برأيه الداعم لوردة، «إذا ما اختار الترشح وإكمال المعركة»، على ما يقول لـ«الأخبار»؛ «وفي حال طرح البطريرك العبسي مرشحاً توافقياً، عندها سندرس هذا الترشح ونعطي رأينا». وعن صحة اشتراط القوات على وردة الانتساب إليها رسمياً كي تدعم ترشحه، نفى النائب القواتي الأمر، وأوضح أن القوات لم تشترط على وردة هذا الأمر عندما كان يمثلها في الحكومة، ولن تضع عليه أي شروط اليوم لمعركة داخل المجلس. ويشير الى أن «وردة ليس مرشح القوات، فالضاهر يدعمه وليس قواتياً كذلك أسعد زغيب». من جهة أخرى، يرى عقيص أن من حق جريصاتي الترشح إذا كان ترشحه مطابقاً لما ينص عليه النظام الداخلي، وقد سمّاه المطران درويش كممثل عنه...

غالبية الأصوات للتيار
لا قرار رسمياً أو غير رسمي حتى الساعة بدعم أي مرشح من الجانب العوني، على ما تقول مصادر التيار الوطني الحرّ. فلا رئيس الجمهورية ولا رئيس التيار يطمحان هذه المرة إلى التدخل بالشؤون الكاثوليكية وبهذه الانتخابات بالذات. وقد تُرك الأمر لنواب التيار الكاثوليك الثلاثة: نقولا صحناوي وإدي معلوف وسليم الخوري للاتفاق على مرشح، يضاف إليهم صوتا الوزيرين غادة شريم وراوول نعمة. رغم أن ثمة احتمالاً مفتوحاً على التصويت لمصلحة جريصاتي إذا ما قرر الترشح، وإذا ما أقنع رئيس الجمهورية بالإيعاز للتيار بدعمه، وهو ما لا يبدو متوفراً اليوم. من ناحية أخرى، ورغم تكتل النائبين ضاهر وعقيص ورئيس بلدية زحلة ضده، فإن معارضتهم لن تسقط جريصاتي (إذا ترشح) لأن رئيس الجمهورية والتيار يحظيان بأكثرية الأصوات داخل الهيئة التنفيذية. فالهيئة الحالية مكونة من 40 عضواً، بينهم 14 عضواً تنتخبهم الهيئة العامة قبيل انتخاب نائب الرئيس، أي سيكون دورهم مؤثراً أيضاً في إيصال المرشح الى هذا المنصب، و26 عضواً هم: رئيس المجلس أي البطريرك العبسي، ونائبه الأبرشي، والنواب الثمانية الحاليون ووزيران والأعضاء السبعة المعينون من البطريرك وسبعة آخرون يعينهم المطارنة. في حسبة الأصوات الـ 26، يميل التصويت إلى المرشح الذي سيدعمه رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، فثمة ثلاثة نواب ووزيران في تكتل لبنان القوي، إضافة الى النائبين ألبير منصور وميشال موسى. يضاف إليهم نحو خمسة أصوات من أصل سبعة، هم الأعضاء المعينون من المطارنة، والذين يدورون في فلك رئيس الجمهورية، فيما سيعمد البطريرك العبسي الى تعيين أعضائه السبعة قبيل الانتخابات، ومن المرجّح أن يكونوا أقرب الى التيار منه الى القوات. تتوقع المصادر نفسها أن يقف النائب نعمة طعمة على الحياد. فيبقى صوتا النائببن عقيص وضاهر فقط لدعم وردة، فيما تشير المصادر الى أن دعم الضاهر لوردة هو حصراً نكاية بجريصاتي. إشارة هنا الى أن تأليف حكومة جديدة سيحذف صوتَي شريم وراوول نعمة ويستبدلهما بأصوات الوزراء الكاثوليك الجدد. في السنوات الماضية، جرت العادة أن يدار المجلس بالتوافق، وأيّ تغيير لهذا النهج يضع فرضية تعليق العمل بالمجلس وتجميد عضوية بعض النواب وأعضاء الهيئة العامة. التعويل اليوم، وفق المصادر، على أن ينجح البطريرك في توحيد كلمة الكاثوليك.



القوات: «غيرلو النظام»
منذ بضع سنوات، قام الوزير السابق في حزب القوات اللبنانية ملحم رياشي بطرح تعديلات على النظام الداخلي للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك وفق نص واضح. واقترح يومها ابعاد النزاعات السياسية والحزبية عن المجلس عبر الغاء منصب نائب الرئيس ما سيخمد الصراعات على هذا المنصب تلقائياً، والغاء منصب الأمين العام كما العضوية الحكمية للنواب والوزراء الحاليين والسابقين. كذلك عرض توسيع الهيئة العامة لتضم الى جانب الأعضاء الحاليين من نقباء المهن الحرة، أعضاء جدداً كالأطباء والمحامين والمهندسين والمحررين والصحافيين وأي شخصية مؤثرة تريد الانتساب. أما السياسيون من نواب ووزراء حاليين وسابقين، فاقترحت الورقة أن ينضووا ضمن مجلس أمناء منفصل عن الهيئة ويكونوا بتصرف البطريرك ليناقشوا معه شؤون السياسة والطائفة، على أن يتم إلغاء تعيينات البطريرك أو المطارنة في الهيئة.
جرى طرح التعديلات على الهيئة التنفيذية بالتعاون بين رياشي والنائب جورج عقيص والأمين العام للمجلس لويس لحود. يومها، خرجت أصوات معارضة للتعديلات فجرى تأجيل البتّ بها، وجرى جمع كل الاقتراحات لصياغتها من قبل اللجنة القانونية ثم اعادة النقاش بها. ثمة اجماع وتوافق على ان النظام الداخلي الحالي لم يعد يقوم بالواجب، يقول الوزير السابق سليم وردة، «فمتطلبات الحياة الجديدة تحتاج الى تعديلات جوهرية في النظام لمواكبتها. لكن بأي صيغة، فهذا موضوع النقاش». من هذا المنطلق، هناك من يرى أن تعديلات الرياشي منطقية، ولكنها من جهة أخرى مصممة لخدمة مصالح حزب القوات الذي لا يحظى بتمثيل وازن في الهيئة التنفيذية ليكون مؤثرا في انتخابات نائب رئيس المجلس. وبالتالي توسيع الهيئة العامة سيخوّل القوات تنسيب أعضاء محسوبين عليها ليتمكنوا من ايصال من يريدونهم الى الهيئة التنفيذية بعد ابعاد النواب والوزراء من العضوية الحكمية لهذه الهيئة، فتكون لهم الأغلبية داخلها. فالهيئة العامة التي تنتخب 14 عضوا في الهيئة التنفيذية تضم اليوم مجموعة من النواب والوزراء الحاليين والسابقين، مطارنة الطائفة في لبنان، الرؤساء العامين للرهبانيات وللجمعية البولسية العامة للراهبات، موظفي الفئة الاولى في ملاك الدولة العام الحاليين والسابقين، رؤساء وأعضاء مجلس الاداراة والمدراء العامين في المؤسسات والهيئات العامة، وغيرهم من قضاة ورؤساء مجالس وأعضاء النقابات الحرة والمصارف والجمعيات ورؤساء الجامعات والاساتذة، ورؤساء اتحادات البلديات ورؤساء البلديات واعضاء مجالسهم، والضباط العاملين والمتقاعدين وغيرهم. اضافة الى 21 عضوا يسميهم البطريرك فيما يسمي كل مطران ثلاثة أعضاء له. هؤلاء بغالبيتهم بعيدون عن حزب القوات ورئيسه. ولتغيير المعادلة يفترض تغيير النظام.