من الخطوات الإيجابية النادرة للرئيس المكلف سعد الحريري زيارته البطريركية المارونية، مهما كانت الانتقادات في شأن مواقفها. ليست الزيارة، بحسب أوساط سياسية، مهمة بمعناها الحصري المتعلق بـ«شكوى» الحريري من أداء العهد والتيار الوطني الحر عند المرجعية الدينية. ثمة إطار يفترض التعامل معه، من خلال ما سجل في الأشهر الأخيرة من ارتفاع اللغة الطائفية والمذهبية، يعطي لمثل هذا النوع من اللقاءات أبعاداً أكثر أهمية. ورغم أن الحريري مقلّ في تنقلاته، وفي القيام بخطوات لافتة، فإن زيارة الصرح يُبنى عليها لسحب توترات رافقت انفلات الخطاب الطائفي والمذهبي الذي سجل في شكل حاد على أصعدة مختلفة. هذا الانفلات الذي يحتاج الى أكثر من هذه الخطوات، لضبط إيقاعه، خصوصاً على مستويات رئيسية.

أولاً، كل الكلام عن احتمالات استثمار الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لخلق فتن وتوترات داخلية، له وجه آخر يتعلق بالشبهات الطائفية والمذهبية التي تسهم في توتير الأجواء، لأن الأرضية الاجتماعية باتت عرضة لشتى أنواع التدخلات واللعب على أوتار مذهبية، يمكن أن تكون أداة توتر دائم. ما جرى، مثلاً، في التظاهرات والاحتجاجات حين اشتعلت محاور «التماس» القديمة، بالعصبيات المتقابلة، ليست مجرد حساسيات ظرفية، بل إنها قابلة للتحول فوراً عند أي استغلال داخلي أو خارجي الى أكثر من حوادث عابرة. من الوهم والسذاجة اعتبار فوز العلمانيين في جامعات تعبيراً عن واقع حقيقي، بعدما أظهرت الأشهر التي تلت 17 تشرين أن مجموعات عادت الى أحزابها وطوائفها بمجرد أن جرت ترتيبات سياسية معينة. وإلا لكان الشارع اليوم أقوى باحتجاجاته ممّا كان عليه قبل عام بعدما تفاقم الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، مهما عملت السلطة على تدجينه وتيئيسه. ومن السذاجة أيضاً اعتبار هذا الفوز «العلماني» بأفكار سياسية بدائية مؤشراً على كسر الطوائف والسلطة معاً، لأن هناك فرزاً مناطقياً جديداً بدأ يظهر حتى في العاصمة، وبعض شوارعها التي اختلف جمهورها عمّا كان عليه قبل سنوات قليلة، بعدما عادت المجموعات الشبابية الى «مناطقها». لم تعد القوقعة كلاماً من زمن الحرب، حين يعيد بعض الاحزاب نبش كلام المحاصصة المذهبية والمناطقية وحقوق الطوائف على الارض، فتجد لها جمهوراً مصفّقاً في الجامعات وخارجها. وحين يجري التعامل مثلاً مع اعتراض التيار الوطني على محطة «الجديد»، وكلامها عن رئيس الجمهورية، على أنه يتم خارج الإطار الجغرافي للتيار وبيئته.
ثانياً، كل ما يثار حول قضية انفجار المرفأ، من التحقيقات ودور المحقق العدلي والردود عليه، يثير جواً من الاحتقان الطائفي، لأنه في مكان ما يبدو مؤشراً على توجه القوى السياسية لإغلاق هذا الملف على «زغل». تصرف المسيحيون وكأن الانفجار يعنيهم وحدهم ويعني مناطقهم وشهداءهم فقط، الى الحد الذي بدا معه أي ردّ فعل وأي اعتراض على أداء المحقق العدلي وعدم التجاوب معه كأنه استهداف لهم وحدهم. هذا الأداء كفيل بإثارة نعرات طائفية، لأن انفجاراً بحجم الكارثة الانسانية التي خلّفها من شهداء ومصابين، يفترض أن يُتعاطى معه بالأهمية التي يستحقها على مستوى القوى السياسية والأمنية التي تتصرف من وحي سعيها الى لفلفة الملف، وكأن شيئا لم يكن؛ إذ لا يتخطى تعاطي هذه القوى مع الانفجار أسلوب معالجتها لأي ملف آخر كالكهرباء والطرق العائمة والمصارف التي تنهب حقوق الناس، أي من دون أن تعير أي اهتمام لحجم المأساة التي لحقت بهم. لكن هذا لا يعني أن يتحول التحقيق وردود الفعل عليه ليصبّا في الخانة الطائفية والمذهبية، ما دام هناك شهداء ومصابون ومتضررون متساوون في المصيبة، مهما كانت هوية المتستر على بقاء نيترات الأمونيوم في المرفأ.
ثالثاً، حرب الصلاحيات التي لن تنتهي قريباً. هذه الحرب التي بدأت وتستمر من خلال الردود المتبادلة بين القصر الجمهوري وبيت الوسط، وقبلها بيانات رؤساء الحكومات السابقين، تحمل في طياتها بذوراً طائفية بامتياز. وهي لا تكاد تخمد لفترة، حتى تعود في مظهر أكثر حدة، من دون أن يستفيد منه أحد، لا بل انه يسهم أكثر فأكثر في تعطيل عمل المؤسسات على اختلاف مستوياتها. الأسوأ، أن هذا الكباش الطائفي لن يبقى أسير الصلاحيات بين الرئاسة الاولى والثانية، لأن ما حصل أخيراً في قانون الانتخاب، وسُحب مؤقتاً من التداول، سيستخدم مجدداً عند أي استحقاق. فتأخير ولادة الحكومة لن يحجب مطلقاً الاستعداد للانتخابات النيابية، التي ستكون مفتاح انتخابات رئاسة الجمهورية. وهذا يعني أن كباشاً طائفياً سيتجدد حول قانون الانتخاب، بعد أن يستنزف المعنيون معركة الرئاسة الثانية. وتضاف اليه عوامل الاحتقان الشعبي، الذي يمكن استغلاله في أي لحظة ليتحول اشتباكاً طائفياً. هذا كله يستدعي توسيع مروحة اللقاءات، كلقاء بكركي، والبناء عليه وعلى غيره من الاتصالات لتشمل جميع القوى المعنية، إذا كانت هناك نية لتطبيع الوضع الداخلي وإخماد حرائقه، خصوصاً مع تكاثر التحذيرات الخارجية والداخلية من احتمالات استخدام الواقع السيّئ لخلق بؤر أمنية، لأن عدم المسارعة الى ضبط الوضع، لا يمكن تفسيره إلا بأن ثمة من لا يزال يرغب في استخدام الشحن في معارك سياسية خدمة لتزكية مواقعه وتحصينها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا