بحسب المعلومات التي توافرت من جلسة اللجان المُشتركة التي انعقدت يوم أمس في ساحة النجمة، أتت الأجواء أقل قساوة من التوقّعات التي سبقتها، من دون أن يُلغي ذلك واقع أن قانون الانتخابات الذي كان مُدرجاً على جدول أعمالها فرز الكتل النيابية، وجعل من كُتلتَيْ «لبنان القوي» و«الجمهورية القوية» جبهة واحدة ضد كتلة «التنمية والتحرير». كانت الجلسة أشبه بجمر تحت الرماد، نظر إليها «المستقبل» و«المردة» بصمت، وقاربها الحزب الاشتراكي بتسجيل موقف خجول. أما حزب الله، فكما جرت العادة، حاول القيام بدور الإطفائي لتهدئة النقاش من دون إقفال الباب كلياً.

قد لا يبدو مفهوماً، أو منطقياً أو حتى مُبرراً كيف لبلاد تتلاشى من جرّاء أزمتها الاقتصادية والمالية، أن يجد نوابها وقتاً لمناقشة قانون انتخابات جديد، بدلاً من الإبقاء على ورش عمل نيابية مفتوحة، لا يكون لها عمل سوى البحث عن سُبل للخروج من الأزمة، ولو أن اقتناعاً بات راسخاً بأن حلّ الأزمة المستعصية في لبنان يبدأ من تغيير النظام السياسي، الذي يحتاج فعلاً الى قانون حديث وعادل. لكن في حالة مثل حالة لبنان اليوم، وقد بقي أمام انتخاباته النيابية المُقبلة أقلّ من سنتين قد تنقلِب فيها الأمور رأساً على عقب، لا بدّ أن تتقدم الكثير من الملفات قانون الانتخاب على لائحة الأولويات. لذا أثار طرحه الكثير من علامات الاستفهام، وفسّرته بعض الأطراف كأنه موجّه ضدها، أو رداً على ملفات أخرى أوّلها التدقيق الجنائي.
باستثناء كتلة «التنمية والتحرير» لم تتوافر أي كتلة نيابية أخرى لتُعبّر عن تأييدها لتعديل جذري في قانون الانتخابات يصل إلى حد اعتماد لبنان دائرة واحدة وإلغاء القيد المذهبي (مع إبقاء القيد الطائفي)، وهو ما من شأنه أن يتيح فهم مواقف الأفرقاء السياسيين منه. حتى من لم يرفضه علناً، حاول تقديم وجهة نظر تقلّل من أولويته في المرحلة الراهنة. كانت أوضح المواقف المناهضة لبحث قانون الانتخاب حالياً هي للتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، اللذين أعاد نوابهما ما قالوه في الجلسة وبعد انتهائها، لجهة أن «هذه محاولة لتغيير النظام ولا يُمكن القبول بها». لدى العونيين والقواتيين حجة متينة للاعتراض على توقيت الطرح، تنطلق من «ضرورة الإصلاح والتدقيق في الحسابات والمعالجة الاقتصادية ونقاش وتعديل الكثير من القوانين التي ستساعد في ذلك». هو طرح «يستهدف المسيحيين بالدرجة الأولى» هو ما اتفق عليه التيار والقوات بقدر ما اتفقا على عبارة أن القانون يهدف الى «تغيير النظام السياسي»، وهو تماهٍ تُرجم في التصفيق بعضهما لبعض داخل الجلسة أكثر من مرة.
يهرب تيار «المستقبل» من إعطاء موقف واضح. يقول نوابه إن «الأولوية الآن هي لتأليف حكومة لأن البلد يحتاج إليها بشدة»، مشيرين الى أن حضور الجلسة «أمر طبيعي، فلا أحد يُمكنه مقاطعة جلسة نقاش لملف كهذا». لكن هل يريد «المستقبل» فعلاً تغيير قانون الانتخابات؟ ما لا يختلف عليه اثنان في التيار أن «هذا القانون كان سيئاً جداً بالنسبة الى الرئيس سعد الحريري»، لكن النواب يعودون لتأكيد أن النقاش اليوم يجب أن يكون مركزاً على تأليف الحكومة، لذلك التزموا الصمت في الجلسة.
لم تجد كتلة «التنمية والتحرير» من يناصر اقتراحها، فحتى الحزب الاشتراكي الذي أكد نوابه «إلغاء الطائفية السياسية والدولة المدنية»، بقي موقفهم خجولاً. يرى نواب الحزب أن «المشاكل في البلاد أصبحت متداخلة جداً، لكن فتح باب النقاش في قانون الانتخابات سيزيد من عمق الانقسام والشرخ بين الأطراف السياسية». بينما حاول حزب الله الوقوف في المنتصف. فلا هو رفض النقاش ولا عبّر عن تأييده لتوقيت الطرح، مع تأكيد ضرورة أن «لا يقارب هذا الأمر بعصبية طائفية».

غالبية القوى السياسية ضد البحث في تغيير جذري في قانون الانتخاب في هذا التوقيت


كان لافتاً بحسب مصادر نيابية أن عدداً كبيراً من نواب التيار الوطني الحرّ أدلوا بدلوهم، وكانت لهم مداخلات رافضة لهذا الأمر، مؤكدين استعدادهم للنقاش في تطور القانون الحالي، أما «إلغاء الطائفية السياسية فهو يحتاج إلى مقاربة أشمل لإصلاح النظام بمختلف جوانبه». لذا طالب النائب آلان عون بترحيل النقاش في القانون الانتخابي إلى جلسة حوار وطني، معتبراً أنّ الطروح الانتخابية «تحاكي أموراً دستوريّة وتغييراً في النظام السياسي». وقد عبّر عن الموقف نفسه رئيس لجنة الإدارة والعدل عضو كتلة القوات النائب جورج عدوان، الذي قال إنّ «المطروح اليوم تغيير للنظام السياسي وليس تغيير قانون انتخابات فقط، وأن طرحه في هذا التوقيت ليس سليماً أبداً».
أما كتلة «الوفاء للمقاومة» فقد دعت، على لسان النائب علي فياض إلى ضرورة «الإقلاع عن المقاربات المتوترة حزبياً وطائفياً»، كما إلى عدم «شيطنة القانون النافذ». فعلى الرغم من الملاحظات الكثيرة في ما يتعلق بتقسيماته الطائفية، إلا أن «القانون الحالي يُعدّ نقلة نوعية في تطور القانون الانتخابي في لبنان». ورأى فياض أن «النقاش يجب أن يكون محكوماً بفعالية وصحة التمثيل، وهو ما وفّره القانون الحالي»، وإذا «كان الهدف من الطرح التحسين في القانون فلا مانع من ذلك». وفيما ربطت «التنمية والتحرير» قانون الانتخابات بمجلس الشيوخ ولبنان دائرة واحدة، مؤكدة أن «من حق أي كان الاعتراض، وأن الطرح لا يُراد منه تعطيل ملفات أخرى»، رأت كتلة «الوفاء للمقاومة» أن «موضوعات كهذه يجب التفاهم عليها بشكل جامع، ولا يمكن أن تحسم بأكثرية مؤيدة وحسب».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا