لنعد الى نيسان العام 1996. لم تكن جولات التفاوض بين «إسرائيل» وبعض العرب قد أغلقت. مع سوريا كانت محاولات الولايات المتحدة إحداث خرق تصطدم برفض العدو إخلاء كل ما احتلته في السابع من حزيران من عام 1967، وكان الراحل حافظ الأسد يحسم النقاش: نريد أن نضع أقدامنا في بحيرة طبريا، وبعد ذلك يكون لدينا حديث آخر. أما مع الفلسطينيين، فكانت جولة جديدة من العنف الاستثنائي ضد المقاومة الفلسطينية بهدف سحقها وجعل السلطة برئاسة الراحل ياسر عرفات توافق على التسليم بما يراد له أن يتحقق اليوم من ضم لأجزاء كبيرة من الضفة الى حدود الكيان الغاصب. في المقابل، كانت الشوارع العربية تعج بالمتظاهرين الذين يخرجون كل حين للتضامن مع ضحايا جرائم الاحتلال الاسرائيلي في لبنان وفلسطين، بينما كانت قوى المقاومة في الجانبين تنمو وتنمو بأسرع ممّا يتوقعه العدو والصديق.

في ظل هذه المعطيات، شنّ العالم بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أكبر عملية تعبئة دبلوماسية وسياسية واقتصادية وأمنية لأجل محاصرة قوى المقاومة، ودفع العرب نحو الإقرار بمطالب العدو الأمنية. وسط هذا الهيجان، شنّ العدو عدوانه الوحشي على لبنان تحت اسم «عناقيد الغضب». سقط الكثير من الشهداء، ودمرت منازل ومنشآت، وسال الحبر كما الدماء، لكن صوت انفجار صواريخ المقاومة المتساقطة على مستوطنات المنطقة الشمالية من فلسطين، كان آخر ما سمعه الناس، قبل أن يكتشف العالم كله معادلة جديدة، وهي الاولى من نوعها، تَفرض على العدو عدم المساس بالمدنيين اللبنانيين إذا كان يريد تجنيب مدنييه قصف المقاومة.
بعد توقف العدوان، انطلق نقاش كبير في لبنان حول حيثيات وآليات تنفيذ تفاهم نيسان غير الموقع، والذي أسهمت فرنسا في وضعه. وكان هناك، كما اليوم، تيار لا يرى في المقاومة إلا خصماً له ولمشاريعه. وكان هناك تيار صامت أو خائف أو متوار خلف من شكّل لاحقاً فريق 14 آذار. لكن، في المقابل، لم تكن المقاومة وحدها. كان هناك حافظ الأسد الذي لم يكن عليه قمع خصوم المقاومة من اللبنانيين وحسب، بل قمع خصوم المقاومة من بعض المسؤولين السوريين الذين حاولوا الترويج للقراءة الفرنسية (التي قبل بها الراحلان الياس هراوي ورفيق الحريري) والتي تقول بأن على المقاومة التوقف عن القيام بعمليات عسكرية والسماح للجيش اللبناني بالانتشار لأجل ضمان الأمن على الحدود.
وعندما انطلق عمل لجنة مراقبة تنفيذ التفاهم، كانت الاجتماعات تشهد استعراضاً لتفاصيل ما يعتبر خروقات من قبل القوى العسكرية للتفاهم. كان العدو يحضر معه قائمة بما يسميه إطلاق نار من قبل مجموعات حزب الله على أهداف ذات طبع مدني، بينما لم يكن على لبنان بذل الكثير من الجهد لأجل عرض الخروقات الاسرائيلية الدائمة براً وبحراً وجواً... مع مرور الوقت، صار الجميع يتعامل مع هذه الاجتماعات على أنها تمرين للطرفين على فهم كل منهما للآخر.
في العودة الى أوراق تلك المرحلة، تجب ملاحظة الآتي:
أولاً: أن العدو تصرف طوال الوقت على أنه مجبر على المشاركة في هذه اللجنة التي قامت رغماً عنه، وكان يرى فيها إقراراً دولياً بشرعية وحق المقاومة في ممارسة القتال، ليس بقصد التحرير وحسب، بل للدفاع عن المدنيين اللبنانيين أيضاً.
ثانياً: أن العدو تصرف طوال الوقت على أن هذه اللجنة تقفل باب التفاوض السياسي الذي انطلق إثر مؤتمر مدريد للسلام، وأنه لم يكن هناك مجال لبحث سياسي خارج متطلبات عمل لجنة عسكرية - فنية.
ثالثاً: أن العدو لاحظ تطور قدرات الوفد المفاوض اللبناني لناحية حصوله على معلومات ميدانية عمّا يجري داخل الشريط الحدودي المحتل. كما لاحظ أن المفاوض اللبناني صارت لديه معرفة أفضل بالمفاوض الإسرائيلي نفسه. كما أن العدو فشل في الاستفادة من ممثلي القوات الدولية الذين أجبرتهم جملة من المعطيات والظروف على التصرف بدرجة مقبولة من الحيادية.
رابعاً: أن الوفد اللبناني الذي تهيّب اللقاءات الأولى، تصرّف لاحقاً على أساس جديد، أبرز ما فيه، الضعف الفعلي الذي يسود فريق العدو، نتيجة تراجعه الميداني. وفي بعض الاجتماعات كان اللبنانيون يلاحظون الوجوم على وجوه أعضاء الوفد الإسرائيلي من جرّاء ما يحصل في الشريط الحدودي من مواجهات مع المقاومة. وكانوا يلمسون، أكثر فأكثر، صعوبة امتلاك العدو أي عناصر تدين المقاومة بالتعرض للمدنيين.
خامساً: كان الجميع يعرف أن الغاية الفعلية من هذا الإطار هي تنظيم الحرب العسكرية التي أرادتها المقاومة حصراً مع قوات الاحتلال والعملاء، والتي خسر فيها العدو عناصر قوة كثيرة، أبرزها الضغط من خلال تعريض المنشآت المدنية والمدنيين للخطر المباشر.
عملياً، وبمعزل عن كل تقييم سابق أو لاحق، كان عند الفريق اللبناني (السوري) استراتيجية واضحة الأهداف، وهي استراتيجية واكبت التطور اللافت في العلاقة بين المقاومة وقيادة حزب الله مع القيادة السورية في دمشق، ومع مكتب الرئيس حافظ الأسد مباشرة وليس عبر القنوات التي تدير شؤون الملف اللبناني الداخلي حصراً. لكن الأهم في كل ذلك، كان موقف الجيش اللبناني وسلوكه، بقيادة العماد ميل لحود، حيث لم يكن هناك أي هوامش لمراضاة أو محاباة الخارج، وخصوصاً الجانب الأميركي. وهو الموقف الذي تحول طوال الوقت الى ورقة قوة في مصلحة المقاومة حتى حصول التحرير عام 2000. ويومها، جنى لبنان أولى الثمار الدبلوماسية لعمل لجنة تفاهم نيسان، من خلال تجربة ترسيم الخط الأزرق، حيث لم يكن بأيدي الأمم المتحدة والأميركيين، وحتى العدو، أي حيلة تجبر لبنان على التخلي عن حقوقه في أرضه. حتى المناطق التي لم ينسحب منها العدو، ظلت محل تحفظ لبناني الى اليوم، وهي يفترض أن تكون بنداً في برنامج التفاوض المنتظر انطلاقه الأربعاء المقبل.

أي واقع اليوم؟
بعد غد، يذهب وفد لبنان الى جلسات تفاوض غير مباشر مع العدو برعاية أميركية واستضافة دولية وعلى أرض لبنانية. وإذا كان العنوان هو الشروع في جلسات تهدف الى اتفاق على ترسيم الحدود البرية والبحرية الفاصلة بين لبنان وفلسطين المحتلة، إلا أن ظروف هذا التفاوض وعناصره تختلف جذرياً عمّا كانت عليه الأمور في العام 1996.
أولاً: تبدو «إسرائيل» في الشكل قبل المضمون، هي المستفيدة من هذا الإطار. إن حاجة العدو الى إطلاق آلية تفاوض مباشر أو غير مباشر مع بلد مثل لبنان، يمثل انتصاراً للعدو بمعزل عن نتائجه. ويكفي أن يعلم المسؤولون اللبنانيون أن الاستعراض الذي يشكّل سمة حاكمة في سلوك الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، سيستفيد من خبر الاجتماع وحده، فكيف به الحال مع صورة تجمع الوفود، أو تصريحات تلي جلسة التفاوض، أو أخبار وتسريبات قد نسمعها غداً في وسائل إعلام العدو أو وسائل إعلام غربية عن ابتسامات وتبادل أطراف الحديث ونكات وغير ذلك، حتى ولو لم تحصل. وما لم يكن الوفد اللبناني شديد التحفظ، ولم يحمل معه أفلاماً توثق بالصوت والصورة هذه المفاوضات، فسيمنح العدو أوراق قوة كبيرة في معركة خلق «مزاج» لبناني يواكب المزاج المعمول من أجله تحت عنوان التطبيع مع العدو.
ثانياً: يمكن القول، ومن دون قصد الإساءة الى أحد، إن الوفد اللبناني لا يملك أي معطيات خاصة عن الوفد الإسرائيلي قبالته. بل أكثر من ذلك، فإن المعطيات الاستخبارية التي عمل العدو على جمعها عن جميع الأعضاء المرشحين أو الفعليين للوفد اللبناني ليست موجودة ضمن أوراق المفاوض اللبناني. بل حتى إنه - أقله حتى أول من أمس - لم يكن هناك موجز مدقق وموثّق عن خلفيات الموقف الإسرائيلي المفترض جمعها من مصادر دبلوماسية أو إعلامية أو غيرها. كذلك، فإن طبيعة الوفد اللبناني الذي يجري الضغط لأن يكون مختلطاً بين تقنيين وفنيين وعسكريين وإداريين وسياسيين، إنما ينعكس فوضى مخيفة في إدارة فريق التفاوض. وسيكون من الصعب توقع نتائج إيجابية حتى على المستوى المهني.
ثالثاً: إن الوسيط الأميركي ليس سوى عنصر قوة الى جانب وفد العدو. ويمكن الإسرائيليين أن يلتزموا الصمت، أو يلتقطوا الصور للموفد الأميركي وهو يمارس الضغط على اللبنانيين لأجل التنازل عن هذه النقطة أو تلك. وسيكون لبنان قد وضع نفسه في مأزق كبير عندما يقبل أن يكون مسار التفاوض هذا بديلاً من السعي الى العمل المباشر على تحصيل حقوقه في المياه قبل النفط والغاز. وبحسب المؤشرات المقلقة، فإن عناصر القوة التي كانت تميز الوفد اللبناني في لجنة تفاهم نيسان عام 1996، ليست موجودة الآن بفعل قرار سياسي داخلي، وليس لعدم توفرها. وكل المؤشرات تقود، مع الأسف، الى مخاوف مشروعة من كون الوفد اللبناني سيتصرف بإحراج شديد إزاء استخدام ورقة المقاومة في وجه المفاوض الإسرائيلي أو الوسيط الأميركي. وإن مجرد التفكير من قبل الوفد اللبناني بأنه يمكن أن يضع الجيش وقدراته في مواجهة العدو، سيكون قد خسر كل المعركة لا جولة فقط. وهذه مخاوف مشروعة في ظل التعاون المفرط بين قيادة الجيش الحالية والأميركيين، على أكثر من صعيد.

كل المؤشرات تقود، مع الأسف، الى مخاوف مشروعة من كون الوفد اللبناني سيتصرف بإحراج شديد إزاء استخدام ورقة المقاومة في وجه المفاوض الإسرائيلي أو الوسيط الأميركي


رابعاً: يتصرف الأميركيون والإسرائيليون على أساس أن لبنان مجبر على الجلوس الى طاولة المفاوضات، وأن ما أجبره على قرار القبول بالتفاوض هو مجموعة من الظروف الداخلية والخارجية، وأساسها الوضع المأزوم داخلياً، من الناحيتين السياسية والاقتصادية. وبالتالي، فإن الأميركيين سيمارسون الضغط على لبنان بقصد تقديم تنازلات، قد تبدأ بالفصل بين ترسيم الحدود البحرية عن ترسيم الحدود البرية، ومن ثم الدخول في نقاش عقيم يستمر لعقود - لو أراد العدو - قبل الإقرار بحقوق لبنان. فكيف إذا كان العدو يعتقد بأن المقاومة في لبنان تواجه مأزق الأزمة الاقتصادية والخشية من عزلة داخلية؟

وعليه، أي نتائج؟
يجدر القول صراحة، إن قرار التفاوض غير المباشر مع العدو يمثل لحظة ضعف سياسية لبنانية غير مسبوقة، وإن هذا القرار يعكس في جانبه اللبناني هواجس ومصالح لا يمكن مطابقتها مع المصلحة السيادية المطلقة للبنان. صحيح أن الانقسام السياسي حول تعريف المصلحة السيادية كبير وقائم بمعزل عن هذه اللحظة، لكن لا أحد يمكنه إقناع الناس بجدوى هذه المفاوضات. وإذا كان هناك مَن يعتقد أن الأميركيين يمكن أن يُعفوا لبنان من العقوبات أو يسهّلوا له الحصول على دعم مالي لمجرد أن ذهبنا الى مفاوضات غير مباشرة مع العدو، فهذا واهم وساذج وقليل الدراية بمنظومة المصالح الأميركية والإسرائيلية في لبنان والمنطقة والعالم. أما مَن يعتقد بأن ترسيم الحدود سيتيح للبنان الحصول على فرصة التنقيب المجدي عن النفط، فهو واهم أيضاً، لأن الشروط الأميركية - الأوروبية - الخليجية لتعويم لبنان مالياً، لا تزال هي نفسها ومحصورة في بند واحد: عزل المقاومة سياسياً والتمهيد لتصفيتها عسكرياً. أما الذين يعتقدون أن المفاوضات غير المباشرة مع العدو يمكن أن تفتح الباب أمام مسار تطبيعي، ولو هادئ، مع العدو، فهو مجنون وليس بواهم أيضاً، لأن العدو نفسه لا يسمح لنفسه بأن يحلم لحظة واحدة بأن هذا المسار يمكن أن يحدّ لحظة واحدة من جهود المقاومة لتعزيز قدراتها في مواجهته.
إنها مفاوضات اللاجدوى واللامعنى، والخطأ الكبير الذي كان ولا يزال على الجميع مواجهته وتجنّبه. ولأن الموقف سلاح، يجب القول صراحة، وبمعزل عن أي حسابات أو مجاملات: لا لأي شكل من أشكال التفاوض مع العدو!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا