في عيد الصليب جرت عادة المسيحيين في لبنان على إضاءة «قبولة» من نار، على جبالهم علامة انتصار الصليب. وبالأمس، وبغض النظر عن السؤال من هو محق ومن استفز الآخر وكيف أطلقت النار، احتفل القواتيون والعونيون- الباسيليون بعيد الصليب على طريقتهم المعتادة. فأعادوا معها «مسيحيي بيروت الشرقية» الى وقائع الثمانينيات والتسعينيات، التي كان يفترض أنه طوتها مصالحة معراب في السنوات الاخيرة وأمل منها المسيحيون راحة من التقاتل الداخلي. لكن الطرفين يحرصان كلما حاول أحد نسيان تلك المرحلة على أن يذكّرا بها. فكيف الحال اليوم وهما يحاولان طرح الفيدرالية مجدداً حيث يقدمان نموذجاً أولياً لكيفية العيش في ظلها وظلهما. فحديث اللامركزية الموسعة، كواجهة للكلام عن الفيدرالية، لم يعد حديثاً عابراً في الاوساط الحزبية المسيحية، بل بات خطاباً رسمياً، يعتمده حزبا القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، في رؤيتيهما لمستقبل النظام السياسي. واقعياً، فإن جغرافيا اللامركزية الموسعة، تعني القوى المسيحية في مناطق جبل لبنان وبعض امتداداته شمالاً، وعملانياً هذه المناطق هي التي تتصارع فيها سياسياً وانتخابياً اربعة احزاب مسيحية، يتقدم فيها بالاصوات والمقاعد النيابية حزبا التيار والقوات. فهل يمكن، بعد حادثة ميرنا الشالوحي، تصور هذه المناطق تحت نظام فيدرالي وعباءة هذه الاحزاب وسلطتها السياسية و«الأمنية»؟ وهل يمكن مثلاً أن تعود تلة نهر الكلب حيث يبني التيار الوطني الحر مركزه الحزبي الجديد، خط صراع في استعادة للحدود التي رسمت إبان معارك العماد ميشال عون والقوات اللبنانية؟

الفيدرالية اليوم لم تعد موجهة حصراً نحو الشريك «الآخر» أو الطوائف الأخرى، على خلفية تحقيق الحقوق المسيحية والحفاظ على العيش المشترك على قاعدة لامركزية إدارية ومالية موسعة، بل اصبحت أيضاً تمثل خطراً بعد سلسلة التوترات الاخيرة الكلامية والميدانية وإطلاق النار، وتخيف المسيحيين لأنها تطرح مجدداً إشكالات داخلية. من عايش مرحلة الصراع الماضي، يعرف تماماً معنى إحياء العصبيات القديمة، والخطورة في تذكيتها مجدداً من قبل الطرفين - وعلى عناوين مختلفة، من تظاهرات 17 تشرين الى فشل العهد القوي وحقوق المسيحيين والانهيار الاقتصادي - لدى جيل جديد لم يعايش الحرب الاهلية وما تلاها، علماً بأن هؤلاء، رغم خلافهم السياسي، يواجهون الانهيار الاقتصادي والمالي نفسه، ويتساوون في رغبتهم بالهجرة لتحصيل مستقبل افضل علماً وعملاً، والاكيد أن كثراً من الطرفين يتساوون في فقدان مقومات أخلاقية وأدبية كثيرة في تعبيرهم عن «آرائهم». تكمن الخطورة أيضاً في أن الطرفين يذهبان في رهاناتهما الى الحد الاقصى، عقب فشل تجربة التعايش بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً وطيّ ملف الخلافات السياسية الكبير بينهما. الوزير جبران باسيل يحاول على مفترق طرق بين العقوبات الاميركية والضغط الفرنسي، أن يعيد تموضعه الداخلي، بتعزيز أوراقه المسيحية بعد تراجعات كثيرة. ولعبة الشارع، دائماً تكون طريقة لكسب بعض المترددين، وبعض المتشنجين، كما حصل على طريق القصر الجمهوري وكما حصل في ميرنا الشالوحي. وحزب القوات، باستعراضه العسكري الذي يذكّر بأيام الحرب وباستعراضات الحزب السوري القومي الاجتماعي في الحمرا أو في كفتون، وبلجوئه الى الاستفزاز ولو الكلامي، يريد أيضاً فرض إيقاع جديد، وهو الذي يحاول إثبات موقعه في المعادلة السياسية خارج إطار الحكومة، وتمهيداً للانتخابات النيابية المقبلة.

الفيدرالية اليوم لم تعد موجهة حصراً نحو الشريك «الآخر» أو الطوائف الأخرى


بين هذين الحدّين الحزبيين، ثمة كمّ كبير من الاسئلة عن المغزى مما يجري، فيما لم يجف التراب فوق مدافن شهداء انفجار المرفأ، والعائلات لا تزال منكوبة في مناطق نفوذ الطرفين. وما معنى هذه التعبئة، سواء بالشتائم أم بإطلاق النار. وإطلاق النار هو الحد الأمني غير المسموح اطلاقاً، ولا سيما أن العونيين هم أنفسهم الذين انتقدوا بشدة إطلاق النار في عين الرمانة لدى تشييع أحد شهداء المرفأ. لكن كلا الطرفين يحاول من خلال هذه الممارسات سحب كل الشريحة الوسطية أو الشبابية التي كانت تحاول التفلت منهما في تظاهرات 17 تشرين. وما معنى إعادة إحياء التوترات المسيحية في وقت تزداد فيه الهجرة الشبابية، ويحاول الفاتيكان إرسال رسله للحفاظ على وجودهم في الشرق وتعزيز حضورهم في معادلة السلطة، وتتدخل فرنسا لمنع انهيار لبنان؟ وما معنى الاستفزازات المتبادلة من دون محاولة أي من المسؤولين لجمها، بل على العكس تماماً، حيث يجري تأجيج الصراعات والسماح للمناصرين والمسؤولين بأقصى أنواع التعبئة؟
لكن هناك أيضاً وجه آخر للخطورة، يتعلق بالجيش. الجيش الحالي، هو غير جيش الثمانينيات ومطلع التسعينيات، أي إنه واقعياً لا علاقة له بالمعارك العسكرية التي خاضها قائده حينها، أو بخلافاته السياسية، وهو نسج في ظل قياداته السابقة والحالية علاقات مع القوات عبر وسطاء ومباشرة. الجيش نفسه الذي لم يتمكن من ضبط عناصره على طريق القصر الجمهوري فأطلقوا النار تحذيراً للمتظاهرين ضد رئيس الجمهورية وسمح لمتظاهري التيار الوطني الحر بالتقدم، أصدر بياناً أول من أمس بدا فيه منحازاً بالكامل الى التيار الوطني، وحمّل فيه القوات وحدها مسؤولية الاعتداء بالشتائم، من دون الكلام عمّن أطلق النار. السؤال الذي يُطرح هنا هو عن أي رسالة يحاول قائد الجيش العماد جوزف عون توجيهها، ولمن: للقوات بعدم المغامرة مجدداً، أم رسالة سلام الى التيار الوطني بتغطية إطلاق النار من عناصره وعناصر أمن الدولة؟ ما هي الغاية من البيان، وأي دوافع له، وهو الذي حدّد بعد ساعات قليلة المسؤوليات، فيما لم تعرف بعد مسؤولية إطلاق النار على طريق القصر الجمهوري؟ موقف الجيش ملتبس تماماً، لأنه سياسي وليس عسكرياً. لعل الاستخبارات الفرنسية الضالعة في عملية تأليف الحكومة وطرح إشكالات النظام الجديد، ترفع هي أيضاً تقريراً بحادثة ميرنا الشالوحي، وما قبلها وما بعدها. هكذا تكتمل الصورة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا