تدور رئاسة الحكومة وتعود إلى سعد الحريري. إذا سارت الأمور باتجاه حكومة وحدة وطنية، لا بديل من سعد الحريري، إلا من يسمّيه سعد الحريري. عودته هذه المرة، إذا حصلت، لا تشبه عودته في العام ٢٠١٧ (بعد التفاهم الرئاسي) ولا تشبه عودته بعد انتخابات ٢٠١٨. والأهم أن الظروف لا تشبه ظروف ما بعد استقالة حكومته في العام ٢٠١٩.

في المرة الأولى، كان الاتفاق مع جبران باسيل أقوى من أن يهزّه أي خلاف. كل الملفات المالية والخدماتية كانت من ضمن الاتفاق. ثنائي حزب الله وميشال عون أنقذ، في ذلك الحين، الحريري من السجن السعودي. لو قبل ميشال عون الاستقالة المتلفزة، لكان التاريخ قد تغيّر. من يدري، ربما الحريري لم يكن ليعود يوماً إلى لبنان. أثبت الحريري عندها، لمن كان لا يزال يلومه على دعسته الناقصة بالتحالف مع ألد خصومه السابقين، أنه كان على حق، وأن في التحالف مصلحته قبل مصلحة غيره. في العام ٢٠١٨، صار هذا التحالف، بفعل الانتخابات النيابية، متذبذباً، قبل أن ينهار تماماً في العام ٢٠١٩، ويؤدي بالنتيجة إلى خلافات أكبر من أن تحلّ، انعكست تعطيلاً للحكومة.
١٧ تشرين شكّلت بهذا المعنى مخرجاً للحريري، الذي أراد استغلال وجع الناس، ليوحي أنه يسمع صوتهم، فيما هو كان يسمع صوت مصلحته، التي تقتضي في هذا التوقيت بالذات ترك المركب، علّه يغرق بالعونيين وحدهم. عند أول مطب هرب. لم يشأ أن يتحمل مسؤولية الخراب الاقتصادي، الذي سبّبته سياساته وسياسات سابقيه. وعندما توسّله خصومه المفترضين أن يعود تمنّع، إلا إذا نُفّذت شروطه. شروطه يمكن تلخيصها بشرط واحد: عدم جلوسه مجدداً إلى طاولة مجلس الوزراء مع جبران باسيل. وهذا شرط قوبل بدوره بشرط عوني: لا عودة للحريري إلى مجلس الوزراء من دون باسيل.
لم تمر حكومة التكنوقراط برئاسة الحريري. والحريري نفسه لم يشأ أن يسمّي أحداً لخلافته. إما هو بشروطه أو لا أحد. عبثاً حاول حزب الله وأمل ثنيه عن قراره، لكنه أصرّ على الخروج، لأن لا شيء ليكسبه من رئاسة الحكومة، في ظل فيتو سعودي أميركي على وجود الحزب في مجلس الوزراء. أبقى على الودّ مع هذين الطرفين، وألقى كل سهامه باتجاه باسيل، من دون أن يترك فرصة للتصويب على خليفته، الذي وجد فيه مؤلّفو الحكومة بروفيلاً صالحاً لرئاسة حكومة اختصاصيين غير حزبيين.
الأمور تغيرت اليوم. لم تصمد حكومة حسان دياب لأكثر من سبعة أشهر. زلزال مرفأ بيروت أسهم في تسريع موتها. هو أكبر من أن تحمله أي حكومة في العالم، لكنه لم يكن سبباً مباشراً لرحيلها. المتربصون بها كانوا كثراً، خصوماً وحلفاء، أرادوا تحميلها كل موبقات الحكومات السابقة، ووجدوا الفرصة سانحة لاستغلال كارثة المرفأ والغضب الشعبي العارم.
طارت الحكومة، وبديهي القول إنه لا بديل من تكليف الحريري بتأليف حكومة جديدة، إما بشخصه أو بمن ينتدبه. هو الحريري الثالث في عهد ميشال عون. ولا يشبه أيّ من الثلاثة الآخر. وهو أيقن خطورة الجلوس بعيداً عن كرسي السراي. التعيينات تجاوزته والقرارات جاءت لتضرب مصالحه (الخطة المالية للحكومة والتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان نموذجاً). عودته إلى الحكومة فرصته لمسح الإنجازات القليلة لحكومة دياب. لكن هذه المرة، ثمة عامل أكثر حضوراً في التأليف وما بعده. التدخل الخارجي تحول إلى وصاية خارجية. وهذا بالنسبة إلى الحريري رافعة دولية يمكن التعويل عليها في المرحلة المقبلة. لو أن دياب استقال ما قبل انفجار المرفأ، لكان مستحيلاً أن يفكّر الحريري في العودة. ليس مستعداً لتحمّل ثقل الانهيار. لكن الأمور تغيّرت اليوم. صحيح أن هذه الرافعة لم تتضح معالمها بعد، لكن الرئيس الفرنسي بدا جازماً في تحديده مهلة للإصلاح، فاتحاً في الوقت نفسه باب حكومة وحدة وطنية، تضم حزب الله، وتتولى إدارة الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية.

عودة الحريري إلى السراي تنتظر إشارة سعودية


هل هذا كاف لعودة الحريري؟ الدفع الغربي لا يزال مرتبطاً بمعالجة تبعات زلزال بيروت. لكنّ إيمانويل ماكرون وصل إلى حدّ الحديث عن نظام جديد. الأزمة الحالية للنظام تؤكد أن لا إمكانية لإعطاء أوكسيجين لنظام الطائف. لكن آليات التغيير لا تزال مجهولة. ينتظر الحريري نفسه، على ما نقل زواره، اتضاح صورة المبادرة الفرنسية، ليبني على الشيء مقتضاه. لكنه قبل ذلك وبعده عليه أن يتخطى عقبتين: الموقف السعودي الذي لا يزال رافضاً لوجود حزب الله في حكومة يقودها الحريري، وموقفه الشخصي الرافض لمشاركة باسيل في الحكومة. العقبة الثانية قابلة للحل، حتى لو اقتضى الأمر ترؤس الحكومة من قبل شخصية يسمّيها هو، فيما العقبة الأولى هي التي يمكن أن تعرقل وصول الحريري أو من يمثله إلى الحكومة، وتقود بالتالي الأزمة إلى أعماق أكبر.
الأكيد أن المرحلة المقبلة ليست مستقرة. فوضى النظام إذا طالت لن يكون دواؤها سوى المؤتمر التأسيسي. تلك الكلمة التي تثير حساسية رافضي تصديق حقيقة أن نظام الطائف قد انتهى.