هل حقّاً أنّ كلّ هذا الموت والدم والدمار والانكسار سببه «إهمال» مسؤولين لم «يتوقّعوا» أن تكون المواد الخطيرة «بهذه الخطورة»، كما نقلت وسائل الإعلام عن مدير مرفأ بيروت؟ ألهذه الدرجة وصل الاستخفاف بحياة الساكنين في هذا البلد؟ أصلاً ما هي حقيقة ما جرى مساء أمس؟ قرابة الـ24 ساعة مرّت، وما زال تقاذف الاتّهامات والمسؤوليات مُستمرّ بين من يُفترض أن يكونوا مُطّلعين على ملفّ شحنة نيترات الأمونيوم (تُستخدم في تصنيع المتفجرات والأسمدة الزراعية)، من دون أن يجد أحدٌ منهم جرأة الإعلان عن تحمّل مسؤولية. ما الذي أدّى إلى حصول انفجار كاد أن يمحو بيروت؟ ومن هو المسؤول عن هذه الجريمة؟ ومن سيُصارح اللبنانيين بحجم الكارثة، نفسياً واقتصادياً ومالياً وتجارياً، ويوضح لهم ماذا يعني أن يُدمّر مرفأ بيروت؟ هذه الحادثة ليس من المفترض أن يمرّ ما حصل مرور الكرام، أو يجري الرهان على ردّة فعل خجولة من الشعب، كما يحصل دائماً. هذه المرّة، ثمّة ما انتُزع عنوةً من اللبنانيين: أمنهم، راحتهم، أرواحهم، ممتلكاتهم، مستقبلهم، بلدهم... وعلى المسؤول أن يدفع الثمن. مجلس الوزراء مُنعقد في هذه الأثناء للبتّ بمقرّرات المجلس الأعلى للدفاع إعلان بيروت مدينة منكوبة وحالة الطوارئ لأسبوعين، فضلاً عن تشكيل لجنة تحقيق. ولكن هل ستكون هناك محاسبة هذه المرة؟ وزيرة الدفاع زينة عكر، كتبت على «تويتر» مؤكّدة «نعم سيُعاقب المسؤولون».


المساعدات الدولية
من ضبية حتى مدخل العاصمة وأحيائها، المشهد يتشابه. أعمال إزالة الردم والزجاج، وتعويض الأضرار. القوى الأمنية منعت المرور على أوتوستراد الكرنتينا حتى وسط بيروت، حيث يُقدّم ما تبقى من «الفوروم دو بيروت» عيّنة عن حجم الأضرار في المدينة. ومع بدء عمل الهيئة العليا للإغاثة في رفع الأنقاض وتفقّد الأضرار، ستصل إلى بيروت تباعاً طائرات الإغاثة من عدد من الدول: وصل مستشفيان ميدانيان من قطر، ستصل طائرة عراقية على متنها أطباء جراحون، الاتحاد الاوروبي سيُرسل نحو مئة إطفائي، إيران والعراق وتونس ستُرسل طائرة مساعدات، ثلاث طائرات فرنسية مُحمّلة بالمساعدات أُرسلت أيضاً. وفي هذ الإطار، أعلن رئيس الحكومة الفرنسي جان كاستيكس أنه سيجمع الوزراء المعنيّين لتنسيق إرسال مساعدات ومواد إغاثة إلى بيروت. وأعلنت الرئاسة الفرنسية أنّ إيمانويل ماكرون سيتوجّه غداً إلى بيروت. واتصل رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي برئيس مجلس النواب نبيه برّي «مُشدّداً على أهمية استنهاض كل الجهود لتقديم المساعدة اللازمة والعاجلة للشعب اللبناني الشقيق».

اشتباك وسط بيروت
في مقابل كلّ هذا المشهد المأساوي، لم تتوقّف المزايدات السياسية. رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، توجّه إلى ضريح والده، وتفقّد الأضرار في مسجد الأمين وسط بيروت. هناك كان يوجد عدد من المُتظاهرين، فاحتجّوا على وجود الحريري في المنطقة في ظلّ كلّ ما يجري في البلد. بعدها بقليل، وصل مناصرون لتيار المستقبل إلى ساحة الشهداء، فتدخّلت القوى الأمنية لتفصل بين الفريقَين، بعد أن تعرّض مناصرو «المستقبل» لعدد من المحتجين. من جهته، قال الحريري إنّه «مستعدّ لتحمّل المسؤولية وكل شخص له يد في هذا الموضوع يجب أن يتحمّل المسؤولية وتتم محاسبته».